"ميسون" و"رقية"... جنونُ مصريّة في ألمانيا وممسوسون في الجزائر

15 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 00:45 (توقيت القدس)
"رقية": أفراد محطّمون يعكسون أهوال العشرية السوداء (الموقع الإلكتروني للمهرجان)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فيلم "ميسون" (2025) للمخرجة نانسي بينياداكي يتناول قضايا الهوية والانتماء من خلال شخصية ميسون، ويعاني من فجوات في السيناريو، لكن أداء صابرينا آمالي يضفي عليه أهمية.
- فيلم "رقية" (2025) للمخرج يانيس كويسم، الحائز على جائزة في مهرجان سالونيك، يقدم تجربة رعب فريدة تعكس العشرية السوداء في الجزائر، مع توازن بين القصص العائلية والإثارة.
- كلا الفيلمين يقدمان رؤى فنية حول تعقيدات الهوية والانتماء، حيث يركز "ميسون" على الصراعات الشخصية، بينما يستكشف "رقية" الرعب والتطرف الديني.

هل جاءت تصرّفات ميسون من كونها مصرية تعيش في الغرب، أم أن أيّ امرأة كانت ستفعل ما فعلته؟ هل رسمت المخرجة اليونانية المقيمة في برلين، نانسي بينياداكي (Nancy Biniadaki)، في فيلمها "ميسون" (2025) شخصية العمل الأساسية بناء على تصورات معينة تتعلق بالانتماء؟ إن تجاوزنا أسئلة من هذا النوع، ماذا يبقى من الفيلم؟ إنّه عادي، وفي السيناريو فجوات، وهناك تصرّفات مفاجئة غير مبرّرة درامياً. لولا جنون ميسون، لما اكتسب الفيلم أهمية. ولولا شرقية هذه الشابة، لنحا العمل إلى وجهة أخرى أكثر عقلانية ومللاً. العشيقة الألمانية ألمحت إلى هذا باقتراحها: "لنتصرّف كأناسٍ متحضرين". حينها، لاعتَدّ كلّ واحدٍ بسلوكه الحضاري، وتابع حياته بذهن رائق، كأن شيئاً لم يكن.

غريبة هذه العبارة التي تقال في الشرق أيضاً، حين يراد نفي تصرّف غير لائقٍ بأناسٍ متحضرين. هؤلاء، وبطلة الفيلم ليست منهم؛ فهي متهوّرة ومندفعة، يثيرون نقاشاً هادئاً في قضية وجودية ومصيرية. يبتسمون ببرود، ويتقبّلون خيانة أزواج، وينصرفون من دون مشكلات. لكنّ ميسون شرقية، وأقلّ ما تفعله امرأة شرقية لامرأة غربية، تأخذ منها شريكها ووالد أطفالها، أن ترمي القهوة الساخنة على ملابسها البيضاء.

عن دورها في "ميسون" (2025)، فازت الممثلة السويسرية المغربية صابرينا آمالي بجائزة التمثيل، في المسابقة الرسمية للدورة 66 (30 أكتوبر/تشرين الأول ـ 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2025) لمهرجان سالونيك السينمائي الدولي. إنّها تؤدّي شخصية مُعقّدة في تأرجح نفسيتها. لا تبقى على حال. مفاجئة بمواقفها. تبدو مستسلمة، بعد اعتراف حبيبها الألماني بخيانتها، وتتصرّف كامرأة مندمجة متقبّلة تحوّلات كهذه، ثم تنعطف بتطوّر مفاجئ في مشهد تالٍ، وتثور.

كذلك يحصل مع الزوج الذي يبدو متمسّكاً بها في اللحظات الأولى، لكنّه ينقلب عليها فجأة، ويغيّر رأيه من دون مُسوّغ جديد لموقفه، ويقرّر العيش مع عشيقته. تقلّبات لم تتوقّف في "ميسون"، من دون مبرّرات وتفسيرات. بغتة، يبدو كل شيء على ما يرام. وبغتة، ينهار كل شيء. حصلت الخيانة، مع أن العلاقة بين الشريكين بدت رائعة في المشاهد الأولى، مع أسرة سعيدة تكوّنت من زواج مختلط الهويات بين ميسون وتوبي، نتج منه ولدان. ثم علاقة مدمّرة، ورحلة إلى الجحيم لميسون، مع فقدانها عملها دليلةَ آثار مصرية في متحف برلين، وانتهاء مدة جواز السفر المصري.

ماضيها السياسي ناشطة قبل الربيع العربي يلاحقها، ويحول دون علاقة سليمة مع سفارة بلدها، والعودة إلى مصر ربما تكلّفها حريتها. فجأة، يصبح كل شيء على المحك لها، بعد أن كانت الحياة سعيدة في برلين، مع شريكها وطفليهما. ولأنها تخشى فقدان منزلها وعائلتها وعملها وحريتها، تبدأ ميسون معاركها مع الجميع. معارك يقودها صراع الهوية، والفجوة بين الشرق والغرب، وحماوة الدم الشرقية، وشعورها بالغربة الذي أرادت تعويضه بوجود زوجها، ظانّة أنه سيكون وطناً لها، لكنه يريد أن يكون رجلاً لا وطناً.

يقود "ميسون" أبطاله في صراعات مباغتة، يحكمها جحيم مشاعر متقلّبة، وهويات متضاربة، يجد المشاهد صعوبة في تقبّل نتائجها. لحسن الحظ، حملت صابرينا آمالي الفيلم على كاهلها، في أداء مُعبّر، رغم إخفاقها في التكلّم باللهجة المصرية، مع وجود لكنة أجنبية في نطقها العربية، مع أنها وصلت إلى ألمانيا، بحسب السيناريو، منذ عشر سنوات. هذا حصل أيضاً مع صديقها المصري، الذي فشل في التعبير ليس بالمصرية فقط بل بالعربية، وهذه مشكلة أفلام أجنبية تستعين بممثلين عرب في الخارج.

لكن عدم وضوح السيناريو يمنح "رقية" (2025) جاذبية خاصة، لتماشيه مع طبيعة النوع السينمائي، بأسلوبٍ استحق عليه الجزائري يانيس كويسم جائزة الإخراج (قسم لقاء الجيران). في أفلامٍ كتلك، لا طائل من البحث عن معنى كل صورة وحدث. أفلام تستمدّ قوتها من تأثير أجوائها، وحركة شخصياتها في العتمة، وصرخاتها المفزعة وصيحاتها المستنجدة، ووجوهها المتقلّصة، وأفواهها المستفرغة، وأجسادها المتشنجة، وظلالها وأشباحها. كلّ هذا بعثه كويسم حيّاً بحيوية في فيلمه الأول.

فيلم رعب وتعويذات وشخصيات مسّها جنّ، تحضر في سرد قصصي مُعقّد. هناك فتاة طيبة شفيت بفضل شيخ، وآخر قاتل الروس في أفغانستان، فبدا شفاؤه أعقد، وآخرون شريرون، وما مسّهم وامتزج بدمائهم أخطر وأكثر جنوناً. إنها فترة العشرية السوداء في جزائر التسعينيات الماضية، تتجسّد في ثلاث قصص مترابطة بشخصياتها ومعانيها المضمرة. تقود الأولى إلى الثالثة، والأولى أوضحها، مع فتاة ممسوسة، والثانية أفضلها مع مقاتل عاد إلى عائلته بعد حادث سيارة، يعاني فقدان الذاكرة. وجهه مغطى بالضمادات، وصوت يطارده في رأسه. يردّد بين حين وآخر كلمات بلغة غير مفهومة، كأنه مسكون بجنٍ. حين تضيع ذاكرة الشخصية، فهذا للتخلّص من ماضيها الأسود المتطرّف.

مع تراكم الأحداث الغامضة والمهدّدة له ولعائلته، يبدأ الرجل بالشكّ في أنه ممسوس. يتبع كويسم نهجاً غير متوقّع في أفلام الرعب، ويخلق تجربة مثيرة في سياقها الإسلامي عن الممسوسين من شياطين الجنّ، ويطوّر قصته الغريبة، محافظاً على توازن بين سرد قصص عائلية عادية، وإثارة مرعبة جديدة في مضامين رمزية عن شياطين العنف والتطرّف الديني، والشرّ المخفي في أعماق نفوس مريضة، للتعبير عن إحدى أحلك صفحات التاريخ المعاصر للجزائر. في حوار مع مشاهدين بقوا بعد العرض، قال كويسم إنه رغب في فصل الإسلام عما جرى في تسعينيات الجزائر تلك، وإن المتطرّفين كالشياطين، وإنه تساءل دائماً كيف لهؤلاء أن يتشاركوا الكتاب نفسه مع جدّه. هذا مستحيل له بصفته طفلاً.

المساهمون