لا تزال جزيرة غرينلاند القطبية حديث الساعة وسط الصراع القائم بين واشنطن وكوبنهاغن، إزاء تمسك الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقرار السيطرة على الجزيرة التابعة للدنمارك، بما تختزنه من ثروات معدنية ومائية وموقع جيوسياسي بالغ الحساسية.
غير أن غرينلاند تخبّئ خلف جليدها ومناظرها الطبيعية، واقعاً اجتماعياً أكثر تعقيداً. فالجزيرة الأكبر في العالم، تحمل إرثاً تاريخياً من السيطرة الأوروبية والاستعمار، وصولاً إلى حملة تحديد النسل القسري في ستينيات القرن الماضي، والتي شكّلت فضيحة هزّت العلاقة مع الدنمارك. وقد ترك هذا التاريخ آثاراً عميقة على السكان الأصليين "الإنويت" الذين غالباً ما يشعرون بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية داخل الدنمارك التي تُقدَّم عالمياً بوصفها نموذجاً للرفاه الاجتماعي.
وتتشكل معركة غرينلاند الحقيقية بين البرد القارس، والانتحار، والذاكرة المثقلة بالغضب، وهي بالأساس معركة حول الكرامة، والهوية، والحق في مستقبل أكثر عدلاً مقارنة بالماضي المظلم. ورغم أهمية تحديد الوضع السياسي للجزيرة، تظل الأوضاع الاجتماعية والنفسية هي الهاجس الأبرز لسكانها، إذ يتحدث كثيرون عن معدلات انتحار صادمة، وأزمات نفسية، وانتشار الإدمان، والعنف الأسري، ودائماً ما يقارنون أوضاعهم مع الدنمارك، الدولة الشقيقة في المملكة، حيث الخدمات أكثر تنظيماً، والدعم النفسي والاجتماعي أوسع انتشاراً.
(العربي الجديد)