أجنحة "الأفريقية" المهيضة... الخطوط الجوية الليبية بلا طائرات
- الشركة تواجه مشاكل مالية وإدارية كبيرة، مع عقود إيجار طائرات غير شفافة وتجاوزات مالية ضخمة، مما يثير شبهات فساد كبيرة ويهدد سلامة الطائرات.
- الانقسام الإداري بين طرابلس وبنغازي يعقد تتبع الإيرادات والمصروفات، ويفتح المجال للفساد، مما يعوق محاولات الإصلاح الحكومي لتسوية الديون.
من 17 طائرة إلى اثتنين فقط واحدة تجارية والأخرى رئاسية، تراجع أسطول الخطوط الجوية الأفريقية، في قصة انهيار معلن تتكرر وقائعه في مؤسسات ليبية ينخرها الفساد والانقسام، ليتصارع الشرق والغرب على أنقاضها.
- تأجلت رحلة الخمسيني الليبي على الحجاوي وزوجته إلى الأردن، بعدما كان من المفترض أن تغادر مطار معيتيقة في طرابلس عبر الخطوط الجوية الأفريقية، ولم تكن هذه المرة الأولى بل الثانية، والذريعة واحدة وجاهزة دائماً، "أسباب فنية" من دون ذكر أي تفاصيل.
غير أن تطوراً طرأ في المرة الثالثة فقد تأجلت الرحلة، ولكن من دون صدور إعلان يتناول أي سبب لما جرى ولو كان شكلياً، ما فاقم معاناة المسافرين، بخاصة من ذوي الحالات الحرجة التي لا تحتمل التأخير كعائلة الحجاوي، الذي يقول إنه لم يكن متجهاً إلى رحلة سياحية تحتمل التأجيل، بل كانت الأسرة مرتبطة بمواعيد طبية محددة، ناهيك عن أن كل تأجيل يعني مزيداً من النفقات جراء تغيير حجز الإقامة، فضلاً عن الضغط النفسي الذي زاد حالة زوجته المريضة سوءاً، خصوصا وأننا "نقف في المطار ساعات طويلة بينما نعاني وضعاً صحياً حرجاً ولا نعرف ما أصل المشكلة، هل هو عطل طارئ أم أن الطائرة لن تقلع أصلاً، لا أحد يجيب؟".
ولا تعد عمليات التأخير والتأجيل عرضاً طارئاً، وإنما علامة على مشاكل أكثر خطورة، أخطرها الفوضى والفساد المستشري في بنية الشركة جراء الانقسام الليبي كما يكشف التحقيق، منطلقاً من معاناة الجمهور التي تعكسها جداول رحلات الشركة ومنها على سبيل رقم 8 - U454 وكان من المفترض أن تقلع في الخميس الأول من يناير/كانون الثاني 2026، باتجاه تونس، قبل الإعلان عن إلغائها، كما يقول سيف شلابي أحد المسافرين، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن "موظفاً بمكتب الشركة في المطار، ذكر أن التأجيل سببه تحويل وجهة الطائرة إلى مطار بنينا في مدينة بنغازي شرقي البلاد، لنقل ركاب رحلة متأخرة"، والسبب فقدان الشركة أسطولها بعدما تراجع من 17 طائرة في ذروة نجاحها التشغيلي، حتى أضحى لا يزيد على طائرتين فقط حالياً، بحسب مصادر التحقيق.
طائرة رئاسية وأخرى تجارية
تأسست الخطوط الجوية الأفريقية بقرار اللجنة الشعبية العامة في عام 2001، وبعدما كانت تتمتع بـ "ثقة الجدول التشغيلي"، ضاعت أبرز خصائص سمعتها كناقل جوي، كما يقول الخبير والأستاذ بكلية الطيران المدني في طرابلس مسعود القلال.
تفسر إفادة القلال بيانات وثّقها معد التحقيق عبر الموقع الرسمي للشركة الليبية الأفريقية للطيران القابضة (كيان حكومي مختص بإدارة قطاع الطيران)، وإفادات المصادر بأن ما تبقى من أسطول الخطوط الجوية الأفريقية خمس طائرات فقط، لكن المعز بن إسماعيل، مدير مكتب التعاون والعلاقات الدولية في شركة الخطوط الأفريقية أكد لـ"العربي الجديد" أن القوام الحقيقي لأسطول الشركة طائرتان فقط، واحدة رئاسية، والثانية تعمل على تسيير رحلات تجارية، مشيراً إلى أن بقية الطائرات خرجت تباعاً عن الخدمة بسبب ما واجهته من أعطال عجزت الشركة عن صيانتها لأسباب مالية.
لكن كيف بدأت مظاهر التآكل البنيوي للشركة؟ يعود الأمر إلى عام 2016، إذ انقسمت مثل بقية كيانات الدولة وخضع شطر منها لحكومة طرابلس الشرعية وآخر لإدارة كيان الجنرال المتقاعد خليفة حفتر في بنغازي، ومن وقتها تدهور الأسطول، وبدأ فقدان البيانات التشغيلية والإدارية المحوكمة. وفي علوم الطيران يسمى هذا بـ"فقدان المرونة التشغيلية" كما يوضّح الخبير المختص القلال، قائلاً هذا أخطر ما يمكن أن تخسره أي شركة، حتى لو استمرت رخصتها مشغلاً جوياً، فتسيير الرحلات بطائرة أو اثنتين "يجعل أي عطل فني، حتى ولو كان بسيطاً، سبباً مباشراً في التأجيل أو الإلغاء، لعدم وجود البديل، ما يجعل إعادة الجدولة مستحيلة ويفاقم من خسائر الشركة".
علامات الانهيار
بما أن الشركة عملياً لديها طائرة واحدة حالياً إلى جانب تلك الرئاسية، فإن عدد الرحلات الفعلية لا يتجاوز خمس إلى سبع رحلات أسبوعياً، ما يعني انهياراً تاماً مقارنة بما كانت عليه، خاصة "مع اعتماد مكلف وغير مخطط على التأجير لتغطية رحلات ومواسم يتصاعد فيها الطلب على الخدمة، وهو أسوأ أسلوب تشغيلي من حيث الكلفة والسيطرة على السلامة"، بحسب القلال، معتبراً أن الأسلوب هذا "حوّل الشركة من مشغل فعلي إلى وسيط للخدمة، وبعبارة أكثر وضوحاً تحوّلت الشركة من مسيّر للرحلة يملك الطائرة والطاقم، إلى مجرد وسيط يجمع بين العميل ومن يملك الطائرة ويشغلها".
وتؤجر الشركة الطائرات من شركات محلية ودولية، كما يقول بن إسماعيل. ومن بين العقود التي أبرمتها الخطوط الجوية الأفريقية، استئجار طائرة من شركة ليبية تدعى أويا للطيران، لتسيير ثلاث رحلات بواقع 88200 دينار ليبي لكل ساعة، وبإجمالي مليونين و116 ألفاً و800 دينار ليبي (336 ألف دولار أميركي)، للرحلات الثلاث، وفق العقد المبرم بين الطرفين في 25 مايو/أيار 2025.
وبغض النظر عن قيمة العقد وكون الأفريقية تستأجر من شركة محلية لا تتمتع بإمكاناتها، فإن ثمة مشاكل عديدة في عقد إيجار جرى توقيعه بين شركتي الخطوط الجوية الأفريقية، والإسكندرية للطيران (مصرية)، بتاريخ العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وبموجب العقد استأجر الطرف الأول طائرة من أسطول الطرف الثاني لمدة ثلاثة أشهر، بقيمة 1.8 مليون دولار.
وتكمن المشكلة في خطورة الملاحظات التي أبداها تقرير إدارة سلامة الطيران بمصلحة الطيران المدني الليبية (الجهاز المختص بوضع السياسات واللوائح لضمان أمن وسلامة النقل)، في الثاني من يناير 2025، إذ كشف عدداً من الثغرات والمشاكل الفنية المهددة لأمن وسلامة الطائرة، من بينها "نقص في رخص الطاقم، ووجود أعطال في بعض المقاعد، وتعطل أضواء الطوارئ، وعدم صلاحية المعدات الحيوية مثل: حقيبة الإسعافات، وبطاقة السلامة الجوية، ومعدات الطوارئ مثل منزلقات الأبواب"، ليخلص التقرير إلى أن الطائرة غير صالحة للاستئجار.
كما أبرمت الشركة عقد استئجار طائرة من الشركة الأردنية للطيران بقيمة مليون و625 ألف دولار، خلال الفترة من 17 إبريل/نيسان حتى 31 يوليو/تموز 2025، بحسب الوثائق التي حصل عليها "العربي الجديد".
ويعلق القلال على هذا الاتفاق بعد الاطلاع عليه بالقول: "العقد لم يبين عمر الطائرة وسنة صنعها، ما يغيب بيانات أساسية تجعل وضع الطائرة مجهولا على مستويات عدة من بينها تقدير التكلفة وهل هي في مصلحة الأفريقية أم لا"، مضيفا أن أحد الشروط نص على حق الشركة الأردنية في سحب الطائرة "دون أي إشعار" في حالة الإخلال بأي شرط في العقد، وهو شرط جائر لن يمكن الشركة من فرصة علاج المشكلة أو توفير طائرة بديلة للرحلات القائمة"، ويتابع أن "موقع التسليم رُمز له بالحروف (TBA) وهو يشير إلى أن تحديد مكان التسليم سيكون في وقت لاحق، بينما تضمنت نصوص العقد بأن عمل الطائرة سيكون حصراً في مطار معيتيقة ومن هنا لماذا لا يتم التسليم فيه، ويطرح هذا التناقض العديد من الأسئلة حول كيف جرى توقيع العقد.
عموما "الشفافية وعدم الوضوح والتلاعب في التكاليف كلها شبهات، لكن أخطرها عدم وضوح عمر الطائرة لمعرفة والتأكد من حالتها وقدرتها التشغيلية والفنية من عدمه"، يضيف القلال.
لكن المشكلة أكبر من هذا، كما يقول علي الساحلي، مساعد سابق لمدير مكتب المراجعة الداخلية في الخطوط الجوية الأفريقية خلال عامي 2013 و2016 مستندا إلى خبرته العملية، قائلا: "الأنكى من كل ما سبق، هو أن نفقات الصيانة للطائرات المملوكة للخطوط الأفريقية تفوق أسعار التأجير. على سبيل المثال صيانة طائرة إيرباص 5A-ONP واحدة في ألمانيا قدرت بـ 40 مليون دولار، وهو مبلغ باهظ في ظل تردي أحوال الشركة المالية".
شبهات فساد
ضمن فعاليات حراك موظفي الخطوط الجوية الأفريقية الاحتجاجي على التجاوزات وتدهور أوضاع الشركة قال المشاركون في مظاهرة وقعت بتاريخ 22 نوفمبر الماضي أنه جرى "تخريد" طائرة للشركة في ألمانيا بسبب تراكم الديون"، فيما نفى بيان لاحق للشركة ذلك، مشيراً إلى أن الطائرة أُرسلت للصيانة بعد أضرار الحرب عام 2016، وبسبب "عدم تخصيص الميزانية"، أبرم المدير السابق للشركة أحمد الأمين التركي "صفقة لبيع الطائرة خردةً بقيمة 3 ملايين دولار"، والإدارة الحالية فسخت العقد واسترجعت الطائرة لاستخدامها قطعَ غيار، دون أن تشير الشركة إلى بيان سابق لها في فبراير/شباط 2022 أعلنت فيه موافقة الحكومة على تخصيص 40 مليون دولار لصيانة الطائرة نفسها.
تقدير نفقات صيانة الطائرات يفوق تكلفة أسعار التأجير
وتبدو شبهات الفساد كبيرة في قضية الطائرة هذه، إذ اطلع معد التحقيق على تقرير لشركة لوفتهانزا الألمانية موجه إلى شركة الخطوط الجوية الأفريقية بناء على طلب الأخيرة منها تقييم وضع الطائرة الرابضة في ألمانيا، وحمل التقرير تاريخ 12 يناير 2022، أي قبل أقل من شهر من قرار الحكومة تسييل الأموال اللازمة لصيانة الطائرة، موضحاً أن القيمة الحالية للطائرة لا تتجاوز خمسة ملايين دولار، بينما تكلفة صيانتها تقدر بحوالي 40 مليون دولار، في حين أن سعر طائرة من الطراز نفسه، جاهزة للاستخدام يتراوح ما بين 25 مليوناً و30 مليون دولار. وخلص التقرير إلى أن إصلاح الطائرة غير مجد اقتصادياً، مقترحاً تفكيك الطائرة بدلاً من صيانتها.
ما كُشف من تجاوزات مالية وإدارية يؤكد أن شبكة فساد تتغلغل في المؤسسة، بحسب إفادة القلال، مضيفاً أن "سقوط أي شركة لا يكون فجائياً، بل تبدأ بفقدان الثقة فيها ثم تكرار الأعطال وتحولها من وقائع مؤقتة إلى عرض دائم، لينتهي الأمر بتدمير سمعتها تماما" وتأثير ذلك لا يكون على الصعيد المحلي فقط، وإنما الأخطر هو وضع ليبيا ضمن نطاق إدارة عمليات الطيران الدولي، "فأي شركة أجنبية تفكر في العودة إلى البلاد ستقيم الوضع أولاً على مناخ السلامة، خاصة أن وجود ناقل محلي يعاني مشاكل خطيرة كهذه يرفع تصنيف البلاد إلى مستوى المخاطر التشغيلية"، لافتاً الى أن الدول التي أعادت رحلاتها لليبيا هي الأردن وتونس ومصر فقط وبمستوى نسبي لا يزال معلقاً وقد يتكرر غيابها عن المطارات الليبية في أي وقت نظرا لاستمرار الفوضى والفساد.
كيف دمرت الحرب الأهلية أسطول الشركة؟
مرت الخطوط الجوية الأفريقية بحالة من عدم الاستقرار بعد ثورة عام 2011، بسبب تراكم التجاوزات المالية، وفق ما يقوله الساحلي الذي عايش مسار انحدار عمل الشركة خلال فترة عمله. ويدعم ما سبق بيانات وثقها معد التحقيق عبر تقارير ديوان المحاسبة (أعلى هيئة رقابية في البلاد) أولها الصادر في عام 2013، ويشير إلى أن الشركة تكبدت خسائر سنوية متوالية، منها 160 مليوناً 629 ألف دينار (127 مليوناً و 52 ألف دولار وفق سعر الصرف وقتها) في عام 2012، تلاها خسارة 135 مليوناً و883 ألف دينار (107 ملايين و89 ألف دولار) في عام 2013.
الأخطر مما سبق وقع في عام 2014 بسبب نزاع مليشيات ليبية أثناء سعيها للسيطرة على مطار طرابلس الدولي الذي احترق من جراء حرب بين مسلحين موالين لخليفة حفتر وحكومة طرابلس، ثم ما عرف بحرب اللواء الثامن التابع لوزارة الدفاع بحكومة الوفاق الوطني السابقة على العاصمة خلال عامي 2016 و2018، وبسببها تضررت 10 طائرات من أسطول الشركة، بحسب بن إسماعيل، موضحاً أن الشركة كانت ترغب في صيانة الطائرات المتوقفة في المطار لدى شركة إيرباص المصنعة لها، لكن حال العجز المالي بينها والأمر.
هكذا استمرت الشركة، منذ عام 2016 في احتساب تكاليف الاستهلاك ونفقات التأمين على طائرات فقدت جدواها الاقتصادية نتيجة الحرب، حسب تقرير ديوان المحاسبة لسنة 2024 والذي أكد على تراكم ديون عبور الأجواء الأوروبية بقيمة 3 ملايين و988 ألفاً و947 يورو، ونتيجة عدم السداد، جرى فرض غرامات إضافية خلال عامي 2023 و2024، بقيمة 934 ألفاً و361 يورو، مشيرا إلى "قيام الشركة بصيانة طائرة الشحن A300-600 خلال الفترة من 2020 إلى 2022 بقيمة 362 ألفاً و452 دولاراً ومرة ثانية بمبلغ 3 ملايين و858 ألفاً و586 يورو، رغم توقفها عن الخدمة في عام 2019، ثم عرضها للبيع في نوفمبر 2024".
من معالم الفوضى الضاربة في عمل الشركة، ما جرى في ديسمبر/كانون الأول 2023، إذ تم ارسال إحدى الطائرات (إيرباص A320 5A-ONL) إلى تونس، دون توفير المخصصات المالية اللازمة للصيانة، الأمر الذي أدى إلى التزامات إضافية وتأخير في أعمال الصيانة، رغم أن موعد استلامها كان مقرراً في يوليو 2024، لكن استلامها جرى في أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه، بالعودة إلى صفحة الشركة على "فيسبوك"، وبالطبع أدى ذلك إلى تفاقم الخسائر التشغيلية كما تؤكد مصادر التحقيق.
مؤسسة برأسين
"تشكّل مجلسان لإدارة الشركة، واحد في طرابلس وآخر في بنغازي، ويضم الهيكلان موظفين من الشركة الليبية الأفريقية للطيران القابضة. كما أنهم موظفون في قطاعات أخرى مثل مصلحة الطيران المدني"، ويشرح علي الساحلي تأثير ذلك وخطورته بأنه: "أدى إلى تداخل في الاختصاصات، ومن الأمثلة الدالة، ما ورد في تقرير صادر عن ديوان المحاسبة في عام 2015، بأن مدير مكتب العقود والاتفاقيات بالخطوط الجوية الأفريقية، شغل عضوية الجمعية العمومية للشركة، وعضو جمعية عمومية في سبع شركات تابعة للشركة الليبية الأفريقية القابضة"، ما يعني تضاربا في المصالح.
عامل آخر ساهم في تدمير الشركة وإفسادها، وهو حالة التشظي داخل إدارتها في طرابلس أيضا، إثر تشكيل المجلس البلدي لكل من مدينتي الزاوية ومصراتة مجلسي إدارة لفروع شركة الخطوط الجوية الأفريقية في المدينتين، بسبب صراعات النفوذ التي تقودها المجموعات المسلحة للحصول على امتيازات توزعها على رجالها، ما أدخل الشركة في فوضى إدارية ومالية عارمة، حتى بلغ الأمر أن أقدم كل فرع على فتح حساب مصرفي خاص به، كما يقول الساحلي.
أدى ما سبق إلى وصول عدد حسابات الشركة المصرفية إلى 21 حساباً موزعة على المصارف التجارية المحلية، و29 حساباً في مصارف خارجية، بحسب تقرير ديوان المحاسبة الصادر عام 2018، وتصاعد الأمر، إذ يشير تقرير الديوان لسنة 2020 إلى أن الحسابات المصرفية في الداخل والخارج وصلت إلى 134 حساباً، لافتاً إلى عدم اعتماد توقيع موحد مخوّل لهذه الحسابات بسبب الانقسام الإداري بين طرابلس وبنغازي. واستحوذت إدارة الشركة في بنغازي على بعض تلك الحسابات، مع عدم معرفة الإدارة في طرابلس بالمبالغ المودعة فيها، ما أدى إلى عدم تدقيق إيرادات الشركة ومصروفاتها، مع استمرار غياب وضوح حقيقة الوضع المالي للشركة حتى عام 2020، وفق المصدر السابق.
ما سبق يؤكده الساحلي قائلاً إن مكتب المراجعة الداخلية (مختص بالتحقق من صحة وسلامة الإجراءات المالية والإدارية) انتقد منذ عام 2016 عدم وجود قيد افتتاحي (دفتر محاسبي لتحديد مصروفات الشركة وفق الميزانية التقديرية عند بداية دورة محاسبية جديدة) لكل سنة مالية بسبب عدم ربط المكاتب والفروع بمنظومة موحدة، ما جعل المصروف والوارد يجريان من دون وضوح، فكانت وزارتا المواصلات في حكومتي البلاد تسيّلان المخصصات مباشرة لإدارتي الشركة في طرابلس وبنغازي، وجرى الصرف بأذونات مباشرة من مجلسي الإدارتين من دون وجود أي قيود محاسبية موحدة"، بالتالي تفتح الفوضى أبواباً للفساد من خلال عدم القدرة على تتبع كيفية صرف أموال الشركة، مع السماح بتسجيل مصروفات وهمية أو مضاعفة.
هل من منقذ؟
في محاولة للإنقاذ، أصدرت حكومة الوحدة الوطنية في 27 أغسطس/آب 2025 قراراً بتسوية دين للشركة بقيمة 57 مليوناً و785 ألف دينار (9 ملايين و17 ألف دولار)، وهو ما أكده بن إسماعيل، لكنه استدرك أن مصرف الجمهورية حجز على المبلغ لسداد قرض سابق، فلم تستفد منه الشركة، "حتى إن استجابت الحكومة لتسديد هذا الجزء من الديون، فهي مسكّنات لا تسمح لها بالتعافي"، يقول القلال، وبالتالي "فإنقاذ الشركة يحتاج إلى مواجهة شبكات المصالح عبر فرض إدارة انتقالية من خبراء فنيين ومهندسين، وحتى إن تم هذا الأمر فلن يحقق نتائج سريعة".