الأخدام اليمنيون... تمييز عنصري يربطهم بزمن أبرهة الحبشي

05 يناير 2026   |  آخر تحديث: 15:57 (توقيت القدس)
خرافات وراء التمييز ضد ملايين اليمنيين (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعاني المهمشون في اليمن، المعروفون بـ"الأخدام"، من تمييز عنصري وتجاهل حكومي، حيث يعيشون في ظروف قاسية بمخيمات غير ملائمة، محرومين من السكن والعمل والمساعدات الإنسانية.
- تتفاقم معاناتهم خلال النزوح الناتج عن الحرب، حيث يفتقرون للاحتياجات الأساسية ويواجهون تمييزاً يمنعهم من حقوقهم في السكن والتعليم والرعاية الصحية.
- تتجلى مظاهر التمييز في عدم توفير الحكومة لأراضٍ أو مساكن لهم، وإزالة منازلهم العشوائية دون تعويض، مما يعمق عزلتهم عن المجتمع.

يسلط التحقيق الضوء على فئة يمنية تعاني تمييزا عنصريا مجتمعيا وتجاهلا حكوميا، لم يتبدل على مدى عقود جراء خرافات تربط ملايين المواطنين بجنود أبرهة الحبشي، فيجري إقصاؤهم عن الحياة العامة وحرمانهم من السكن والعمل.

- بدت اليمنية روضة أحمد الراعي غاضبة وهي تحاول إصلاح ما أفسدته مياه الأمطار في خيمتها المهترئة بمخيم الظهرة في مديرية الشمايتين جنوب غرب مدينة تعز غربي البلاد. "انظر"، تقول السيدة الثلاثينية، بينما تشير بسبابة يدها اليمني إلى الخيام المخصصة لفئة من النازحين يسمون المهمشين أو "الأخدام" يقفون بلا حول ولا قوة، وسط المياه التي دمرت كل ما يملكونه، فيما يعيش النازحون من أبناء القبائل في منازل مستأجرة، بمساعدة من فرع الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في المنطقة.

بالفعل حصل هؤلاء على مساعدات مالية لتأجير منازل لكنها توقفت، بعدما استمرت خلال الفترة من بداية عام 2021 وحتى نهاية عام 2023، كما يؤكد مدير الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين بمديرية الشمايتين، وسام المشرقي، لكنه برر منحهم المال بضرورة إخراجهم من المدارس التي كانوا يقيمون فيها. إلا أن ما يلفت الانتباه هو توفير الموارد المالية المتطلبة على الرغم من العدد الكبير لهم في المنطقة، بعدما بلغوا 25 ألف أسرة، في مقابل أن عدد أسر النازحين من المهمشين لم يزد عن 903 أسر، يقيمون في 11 مخيم بمديرية الشمايتين.

يشير مصطلح المهمشين إلى فئة من اليمنيين يطلق عليهم محليا لقب الأخدام (الخدم)، وتتباين تقديرات أعدادهم جذريا لكنها تتراوح بين 500 ألف في الحد الأدني و3.5 ملايين في الحد الأقصى، من سكان اليمن، يوجدون بالمناطق العشوائية والأحياء الفقيرة على أطراف المراكز الحضرية والمناطق الريفية المعزولة في محافظات عدة منها الحديدة وتعز وإب ولحج والمحويت وحجة وحضرموت، ولا يمكنهم العثور على سكن آمن لذلك تجدهم في أماكن معزولة عن الآخرين، ويقطنون في مآو مصنوعة من الورق المقوى والخرق. وأثناء موجات النزوح التي شهدها اليمن، عانوا أكثر من غيرهم، إذ لا تعتبرهم المنظمات الحقوقية نازحين لكونهم على هذا الحال طوال حياتهم وبالتالي يستثنون من المساعدات الإنسانية بحسب مقابلة مع ناشط مهمش في مأرب جاءت ضمن تقرير إيصال أصوات المهمشين الصادر عن مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية في سبتمبر/أيلول 2021.

مأوى لا يقي من الرياح

"إنه تمييز بلا حدود"، تقول الراعي، التي نزحت مع جاراتها وجيرانها من منطقة الكدحة جنوب غرب مدينة تعز في عام 2018، بسبب الحرب التي اندلعت في البلاد منذ مارس/آذار 2015، ومن وقتها يعيشون في مآو عبارة عن "كونتيرات" (صناديق) خشبية غير مثبتة الجوانب ما يؤدي إلى تفكك ما يفترض "أنه البيت" لدى هبوب الرياح، "ناهيك عن حجمه الضيق، بحيث لا يتسع لأفراد أسرة يتراوح عددهم بين خمسة وتسعة أفراد"، تقول السيدة.

"الأخدام" يدفعون ثمن موجات النزوح أكثر من غيرهم

ينتقل الحديث إلى مجموعة تضم عشرة نازحين من المهمشين من بينهم الثلاثينية وزيرة علي سلام، التي نزحت من محافظة الضالع جنوب البلاد إلى مدينة تعز برفقة أطفالها الخمسة مع بدء الحرب في مارس 2015، ولم تجد سوى مبنى غير مكتمل وسط المدينة الخاضع لسيطرة الحكومة الشرعية، وهناك يقيمون، دون فرش أو أغطية تقيهم برد الشتاء، كما تقول لـ"العربي الجديد" في الوقت الذي لا يستطيعون العودة إلى الضالع بسبب المعارك المتقطعة التي تندلع بين قوات المجلس الانتقالي الجنوبي (يسيطر على كل محافظة الجنوب السبع) وجماعة الحوثي.

الصورة
يعيش المهمشون في أماكن معزولة عن الآخرين
يعيش المهمشون في أماكن معزولة عن الآخرين (العربي الجديد)

وفوق ذلك تعاني عائلة وزيرة من الجوع، شأنها شأن بقية المهمشين الذين وجدوا في ذلك المبنى ملاذا آمنا في الوقت الحالي. في مؤشر أوسع يعكس حقيقة مفادها أن المهمشين كانوا الفئة اليمنية الأكثر هششة أمام آثار الحرب، لكونهم أدنى طبقة اجتماعية من حيث المكانة، وفق ما جاء في تقرير آخر صادر عن مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية في العاشر من يونيو/حزيران 2019، مشيرا إلى أن هذه الفئة "واجهت قرونا من التمييز والاستغلال والفقر"، وبالتالي فالمساعدات الإنسانية التي تصل لمجتمع المهمشين أقل بكثير مما تتلقاه المجموعات الأخرى.

تمييز بسبب الخرافات

من أسباب التمييز ضد المهمشين، اختلاف اللون والعرق، والموروث الاجتماعي الذي يعتبرهم دخلاء على المجتمع، في نمط منتشر على مستوى البلاد، ويتجلى على سبيل المثال في الازدواجية التي تتعامل بها الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين والسلطة المحلية والمسؤولون معهم، وتخليهم عن مسؤولياتهم تجاه تحسين أوضاعهم ومساواتهم مع غيرهم، كما يقول رئيس جمعية حياة أفضل للتعايش والتنمية (تهتم بالمهمشين والنازحين في مديرية المعافر بريف مدينة تعز)، فوزي مهيوب لـ"العربي الجديد".

الصورة
المساعدات الإنسانية التي تصل لمجتمع المهمشين أقل بكثير مما تتلقاه المجموعات الأخرى
المساعدات الإنسانية التي تصل لمجتمع المهمشين أقل بكثير مما تتلقاه المجموعات الأخرى (العربي الجديد)

ويحمّل رئيس المنسقية العليا للمهمشين بمحافظة تعز، صالح عبده صالح، الحكومةَ المسؤولية الكبرى، مشيرا إلى ضرورة تخصيص أرض من أملاك الدولة وتوزيعها على النازحين المهمشين لإنقاذهم مما يعانونه حصرا منذ عقود، في ظل شيوع خرافات تصفهم بأنهم من نسل جنود أبرهة الحبشي الذين احتلوا اليمن في القرن السادس، ولهذا السبب، يتعامل المجتمع وحتى الحكومة مع المهمشين بنظرة دونية تحرمهم من السكن أو امتلاك أرض للبناء عليها، حسب مهيوب.

الصورة
يتعامل المجتمع وحتى الحكومة مع المهمشين بنظرة دونية تحرمهم من السكن
يتعامل المجتمع وحتى الحكومة مع المهمشين بنظرة دونية (العربي الجديد)

تتعارض هذه الخرافات مع الدستور اليمني، إذ تنص المادة 26 على أن "الدولة تكفل للمواطنين حقهم في السكن اللائق والأمن وتعمل على توفير الظروف الملائمة لتحقيق ذلك". كما تنص المادة 28 على أن :"الدولة تحمي الملكية الخاصة للمواطنين وتضمن حقهم في التصرف بها وفقا للقانون"، لكن في حال امتلك أحد المهمشين أرضا يمنعه جيرانه من البناء.

حدث هذا لصالح، الذي يسرد معاناته مع الجهات المختصة في مدينة تعز الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية لدى عزمه على بناء مسكن له على قطعة أرض اشتراها في منطقة البعرارة غرب المدينة، لكنه فوجئ العام الماضي بمنعه من البناء عليها، رغم ما لديه من أوراق تثبت الملكية وحصل "العربي الجديد" على نسخة منها، قائلا: "تقدمت بشكوى إلى السلطة المحلية في مديرية المظفر لإنصافي، طلبوا مني بيعها حتى لا أفقدها بالكامل في ظل الفوضى الأمنية التي تعيشها المدينة".

الصورة
منع صالح عبده صالح من البناء على أرضه في منطقة البعرارة غرب مدينة تعز
منع صالح عبده صالح من البناء على أرضه في منطقة البعرارة غرب مدينة تعز (العربي الجديد)

تاريخيا حدّ هذا التمييز الاجتماعي من وصول المهمشين إلى التعليم والرعاية الصحية والإسكان والعمل المجزي، وفق تقرير "التهميش التاريخي والممنهج لمجتمع المهمشين في اليمن" الصادر عن مركز صنعاء، موضحا أن أقلية المهمشين، تعيش بشكل أساسي ضمن عشوائيات على أطراف المدن، غالباً دون كهرباء أو ماء نظيف أو ملاجئ آمنة، ويشير إلى أن 9% فقط من المهمشين يسجلون أطفالهم عند الولادة، ما يجعل نقص شهادات الميلاد عقبة أمام الالتحاق بالمدارس.

من صنعاء حتى عدن

"للأسف حتى المجتمع لديه ثقافة تمييزية ضدنا، لا يريدون لنا أن نسكن بينهم، باختصار يرفضون اندماجنا في مختلف المجالات"، يقول صالح، مضيفا لـ"العربي الجديد": "يزداد الأمر سوءا في ظل غياب الدولة الحاصل حاليا". لذا لا يجد المهمشون بدا من نصب خيامهم في مساحات فارغة أو في أراض مملوكة لأشخاص، يسمحون لهم بالعيش فيها، فإذا رغب المالك ببيعها طالبهم بالمغادرة، كما يقول لـ"العربي الجديد"، عادل فرج مبروك، رئيس قطاع التعليم والشباب في الاتحاد الوطني لتنمية الفئات الأشد فقرا (منظمة مدنية تطوعية تأسست في عام 2007 من قبل أكثر من خمسين مؤسسة مجتمع مدني لتمثيل المهمشين).

تمييز من الدولة والمجتمع بحق المهمشين اليمنيين

في بداية عام 2025، تعدى التمييز ضد هذه الفئة، حد الحرمان من السكن، إذ جرى طردهم وإزالة بيوتهم من حي الإرسال بمنطقة الممدارة بمديرية الشيخ عثمان في محافظة عدن جنوب البلاد، رغم أنهم يقطنون فيه منذ عام 1992، بحسب إفادة ثلاثة مواطنين من سكان الحي، من بينهم الخمسيني شوقي الحكيمي، الذي قال لـ"العربي الجديد": "السلطات التي تعاقبت على البلاد سابقا لم تطرد المهمشين ولم تهدم منازلهم. اليوم وقع الهدم من قبل مكتب وزارة الأشغال العامة والطرق بمديرية الشيخ عثمان بمحافظة عدن"، ويضيف: "صحيح أننا لا نمتلك سندا لهذه الأرض التي بنينا عليها منازلنا المتواضعة لكننا أمضينا فيها ثلاثين عاما".

حصل "العربي الجديد" على نسخة من الإشعار الذي وصل الحكيمي وجيرانه، تضمن إلزامهم بإزالة بيوتهم العشوائية خلال 24 ساعة، وإلا فإن مكتب وزارة الأشغال العامة والطرق سيقوم بالأمر، وهو ما جرى إذ استيقظوا من النوم وفوق رؤوسهم حملة أمنية مدججة بالأسلحة، رموا محتويات البيوت المتواضعة في الشارع ثم هدموا 20 مأوى، منها منزل سيناء أحمد (40 عاما).

الصورة
هدم 20 مأوى في حي الإرسال بمنطقة الممدارة بمديرية الشيخ عثمان في محافظة عدن
هدم 20 مأوى في حي الإرسال بمنطقة الممدارة بمديرية الشيخ عثمان في محافظة عدن (العربي الجديد)

ويرد مدير عام الأشغال العامة في محافظة عدن، وليد الصراري على ما سبق بالقول: "إزالة المساكن تتم بالاستناد إلى قرار وزارة الأشغال العامة والطرق رقم 23 لسنة 1994، بشأن مخالفات البناء والتخطيط، بمعني أن المنازل تقع خارج المخطط العام أو داخل شارع أو في مقابر تابعة لوزارة الأوقاف"، مضيفا لـ"العربي الجديد": "جزء من منازل المهمشين يقع في مقبرة الرضوان والجزء الآخر في الشارع وهذا مخالف لقرار الوزارة"، ويتابع: "عادة ما تتم هذه الإزالة عبر السلطة المحلية بالمديرية ممثلة بمدير المديرية المعنية ومدير فرع مكتب الأشغال بالمديرية".

ومن وقتها تقيم هذه العائلات في العراء، فيما تقدم ست منها بشكاوى إلى مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ عدن ورئيس اللجنة الأمنية في المحافظة وصفوا فيها ما جرى بحقهم بـ"التمييز العنصري"، مستندين إلى عدم حصولهم على إنذارات رسمية متدرجة مع إتاحة الفرصة لتصحيح الوضع، ودون الأخذ بعين الاعتبار توفير البدائل السكنية ودفع التعويضات العادلة.

الصورة
لم يحصل المهمشون في حي الإرسال على إنذارات رسمية متدرجة مع إتاحة الفرصة لتصحيح الوضع
لم يحصل المهمشون في حي الإرسال على إنذارات رسمية متدرجة لإتاحة الفرصة لتصحيح الوضع (فيسبوك)

عقب تلك الشكوى توقفت الحملة، بحسب الحكيمي، وعموماً يعتبر هذا تصرفاً جيداً لأن "المهمّشين هم من الفئات الأشد فقراً في اليمن، ومعضلة السكن شغلهم الشاغل"، يقول مدير مكتب وزارة حقوق الإنسان (تابعة للحكومة الشرعية) في محافظة تعز، علي سرحان، داعياً حكومته إلى دمج هذه الشريحة في المجتمع، لكن الراعي وسلام تعتبران ما حدث مجرد كلام لا قيمة له، فقد سمعن الكثير منه دون تنفيذ، "وإذا كان المسؤول يعد ولا يفعل، فمن ينفذ؟!".