الإبادة الديمغرافية... إعادة تشكيل خريطة قطاع غزة السكانية
- الحرب تسببت في انخفاض عدد السكان بنسبة 10%، مع هجرة 110 آلاف مواطن واستشهاد أكثر من 73 ألف شخص، وارتفاع حالات الإجهاض بنسبة 250%، مما يهدد بظهور فجوات بين الأجيال وتفكك البنية المجتمعية.
- إعادة توزيع السكان جغرافيًا داخل غزة زاد من الكثافة السكانية في مناطق النزوح، وفرض وقائع جغرافية وديمغرافية جديدة، مما يهدف إلى تحويل الهجرة إلى مسار إنساني وإفراغ القطاع من سكانه.
تتراجع قدرة المجتمع الغزي على التعافي الديمغرافي وتجديد بنيته السكانية، جراء عوامل متصاعدة، منذ أن شنّ الجيش الإسرائيلي حرب الإبادة على القطاع المحاصر في عام 2023، مؤسساً لواقع يفرّغ الوطن من أهله.
- تبدد آخر أمل لآلاف العائلات الغزية بالإنجاب، بعد القصف الإسرائيلي الذي قضى على أربعة آلاف جنين من أطفال الأنابيب، إضافة إلى ألف عينة لحيوانات منوية وبويضات غير مخصّبة كانت محفوظة وفق المعايير والاشتراطات العلمية، في مركز البسمة للإخصاب (خاص) بمدينة غزة.
بمرارة شديدة يروي مدير المركز الدكتور، بهاء الغلاييني، لـ"العربي الجديد" ما جرى في يوم الانفجار الذي مزّق مبنى المركز في ديسمبر/كانون الأول 2023، قائلاً: "في الحقيقة الخسارة ليست لمنشأة طبية بما يعنيه الأمر من مكابدة مادية، وإنما لآلاف الأجنة التي ماتت في لحظة، ودفنت معها تحت الركام آمال عائلات تنتظر منذ سنوات أن تُرزق بطفل، ومن بينهم مرضى سرطان وآخرون يعانون عللاً مزمنة، أو تقدّم بهم العمر وكانت فرصتهم الأخيرة".
ولا يمكن قراءة الواقعة السابقة بدون سياقها الذي يحيل إلى عملية إبادة ديمغرافية نشطة، هدفها تغيير التركيبة السكانية في القطاع، من أجل محو أثر الفلسطينيين منه، أو تقليل أعدادهم بأساليب قسرية، ما يؤدي إلى فقدانهم سيادتهم ووجودهم في أرضهم التاريخية، لا سيما إذا وضعت المعطيات السابقة إلى جانب استهداف البيئة الإنجابية والقتل الجماعي والتهجير القسري، عقب تدمير مقومات الحياة لإحداث خلل ديمغرافي عميق في القطاع، كما يرى رائد صالحة، أستاذ التخطيط الإقليمي والعمراني ودراسات المدن في الجامعة الإسلامية بغزة سابقاً.
ولدى صالحة ما يدعم قراءته، إذ تؤكد بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني PCBS، أن العوامل السابقة أدت إلى انخفاض عدد السكان بنسبة 10% عما كان مقدراً له حتى منتصف عام 2025، إذ بلغ الرقم المقدر قبل الحرب خلال منتصف عام 2025 نحو 2.35 مليون نسمة، بينما فعلياً وصل العدد إلى 2.11 مليون نسمة، أي بفارق 235 ألف نسمة.
تصاعد في وتيرة الإبادة
بالتأكيد إنها "إبادة ديمغرافية"، هكذا بادر الدكتور أمجد جمعة، الأكاديمي الغزي وأستاذ علم النفس المشارك بجامعة الشرقية في سلطنة عُمان، معدَّ التحقيق لدى سؤاله عن ممارسات الاحتلال في غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، موضحاً أن أبرز معالم العملية المتعمدة والممنهجة، يتضح من خلال هجرة نحو 110 آلاف مواطن، واستشهاد أكثر من 73 ألف شخص خلال الحرب، وانخفاض المواليد استناداً لما تكشفه الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة، ودائرة الأحوال المدنية بوزارة الداخلية في غزة عن وجود خلل واضح في السلم السكاني، نتج عن تراجع ملحوظ في عدد المواليد وارتفاع عدد الوفيات، إذ سجل عام 2022 ولادة 57 ألف طفل، في مقابل 5518 حالة وفاة، وانخفض العدد إلى 54 ألف مولود في عام 2023، بالإضافة إلى تسجيل 5400 حالة وفاة، بينما سجل 38 ألف مولود في عام 2024، مقابل 5300 حالة وفاة، وخلال النصف الأول من عام 2025 سُجلت 17 ألف ولادة في القطاع، أي بتراجع نسبته 41% عما كان عليه عدد الولادات قبل الحرب، وبلغ عدد الوفيات 5800 حالة، مع تأكيد زاهر الوحيدي، رئيس وحدة المعلومات في وزارة الصحة، أن الكثير من الحالات غير مشمولة، جراء تدمير أنظمة المعلومات بعد اجتياح المراكز الصحية.
انخفاض عدد سكان غزة بنسبة 10% عن التقديرات الرسمية حتى منتصف 2025
وتتقاطع الأرقام السابقة مع ما يكشفه تقرير رسمي صدر عن وزارة الصحة في يونيو/حزيران الماضي، إذ أكد وجود ارتفاع قياسي غير مسبوق في حالات الإجهاض، بنسبة بلغت 250%، مقارنة بفترة ما قبل الحرب، حيث سجل القطاع 460 حالة إجهاض لكل 1000 مولود حي، أي ما يعادل حالة إجهاض واحدة لكل ولادتين تقريباً، مقارنة بـ 140 حالة لكل 1000 مولود قبل حرب أكتوبر/تشرين الأول 2023، والأنكى أن البيانات تشير إلى أن ثمة زيادة متوقعة بنسبة 70.7% في حالات الإجهاض خلال عام 2026.
أداة إزاحة سكانية حيوية
بعد تعرّضها للإجهاض مرتين، قررت الثلاثينية منى عبد الرحمن تأجيل الإنجاب، خاصة أن التجربة الثانية المؤلمة وقعت في شهر يوليو/تموز من العام الماضي أي في ذروة المجاعة، وقتها فقدت جنيناً في الشهر الخامس، لذا اتفقت وزوجها على القرار تجنباً للمزيد من المتاعب، ولقناعتهما بأن البيئة التي يعيشان فيها غير مؤهلة لنمو الصغار.
"إنها استجابة طبيعية للخوف الذي يعيشه الغزيون، فغياب السكن والغذاء والعلاج، ومكابدة فقدان المواليد، والضغط النفسي، كلها عوامل تدفع الأزواج إلى تأجيل الإنجاب، وقد تستمر الظاهرة لسنوات إذا واصلت دولة الاحتلال حصار السكان غرب "الخط الأصفر" ولم يتوقف جيشها عن القتل اليومي، ناهيك عن تدمير مقومات الحياة، في ظل تفشي الفقر وانهيار المنظومة الصحية"، كما يقول جمعة بالتأكيد إن: "استهداف المستشفيات وأقسام الولادة، ونقص الدواء والغذاء، وتعطيل رعاية الحوامل والمواليد، يضعف قدرة المجتمع على التجدد السكاني".
تتفق إفادة جمعة مع نتائج استطلاع ميداني غير قياسي أجراه معد التحقيق في مناطق جنوب القطاع ووسطه، التي تشهد أكبر تكدّس للنازحين، بمشاركة 25 سيدة تتراوح أعمارهن بين 20 و35 عاماً، إذ أكدت 19 منهن اعتقادهن بأن إنجاب أطفال جدد في ظل الظروف الحالية يعتبر قراراً خاطئاً، فالمجاعة لا تزال قائمة. في حين رأت 22 سيدة أنه من الأفضل تأجيل الإنجاب حتى تتحسّن الأوضاع، أو إتاحة المجال للأسر لمغادرة القطاع والاستقرار في بيئة أفضل.
على ضوء ما سبق وفي مدى زمني أبعد، قد تظهر فجوات بين الأجيال، ونقص في فئة الشباب، بسبب توقف أو تراجع الإنجاب لسنوات طويلة، بحسب إفادة جمعة، الذي أضاف أن شروط تحقق الأمر متوفرة وأهمها، تباين الظروف الاجتماعية، وإضعاف السكان، وتدمير ظروف الحياة الطبيعية، في ظل حرب لا تتوقف وقتل يومي، علاوة على تردي الأوضاع الاقتصادية، وعدم السماح بأي تحسّن بما يؤدي في النهاية إلى خلق أداة إزاحة حيوية متفاعلة تفكك البنية المجتمعية، وتميت أمل استعادة ظروف وشروط البقاء على الأرض، عبر إطالة أمد النزوح والعودة للمناطق التي أجبر أصحابها على مغادرتها، وكل ما سبق يعيد تشكيل الجغرافيا الاجتماعية أيضا في القطاع.
وبدأ ذلك يتجلى في انخفاض عدد الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً، بنسبة تقديرية بلغت 6% مقارنة بالتقديرات السكانية لعام 2025، نتيجة الاستهداف المباشر والمنهجي لهذه الفئة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، بما ينذر بتحولات خطيرة في بنية المجتمع الفلسطيني، في حين شهدت فئة الأطفال تراجعاً بنسبة 7% عما هو مقدر، جراء الوفيات، وانخفاض عدد المواليد، ومع ذلك يبقى أمل حتى اللحظة فما زال المجتمع الغزي فتياً، إذ يمثل من هم دون سن الثلاثين نحو 65% إلى 68% من إجمالي السكان، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
نحو الواقع الدائم
أسفرت الحرب الديمغرافية الإسرائيلية على قطاع غزة عن إعادة رسم الخريطة السكانية، فبالإضافة إلى تناقص عدد السكان يجري طوال الوقت تصميم عملية هندسة تهدف لإعادة توزيعهم جغرافياً داخل القطاع. وتكشف أرقام حصل عليها معدّ التحقيق من جهات حكومية وأممية، أنه في عام 2023 توزع الغزيون على المحافظات الخمس على النحو الآتي: 388.977 نسمة في محافظة شمال غزة، و893.923 نسمة في محافظة غزة، و313.945 نسمة في المحافظة الوسطى، و436.744 نسمة في محافظة خانيونس، فيما بلغ عدد سكان محافظة رفح 296.661 نسمة.
أما خلال العام الجاري، ومع انخفاض العدد، تبدّلت خريطة التوزيع الديمغرافي بصورة جذرية، إذ يقطن محافظة شمال غزة حالياً 118.600 نسمة فقط، ومحافظة غزة 673.829 نسمة، فيما ارتفع عدد السكان في المحافظة الوسطى إلى 617.200 نسمة بعدما اكتظت بالنازحين، كما ارتفع عدد سكان محافظة خانيونس إلى 715.147 نسمة، وهي الأخرى تشهد اكتظاظاً هائلاً بالنازحين، ومعظمهم من سكان مدينة رفح. وفي المقابل، لم يتبق في الأطراف الغربية لرفح سوى 11.500 نسمة، ومعظم المدينة محاصرة ومعزولة وخالية من السكان، وأدى هذا التحول إلى تفاقم الكثافة السكانية، المرتفعة أصلاً في مناطق النزوح، وزيادة الضغط على الموارد المحدودة، إلى جانب تصاعد المشكلات النفسية والاجتماعية.
وبطبيعة الحال تتفاقم المشكلة في ظل توسيع الخط الأصفر، حيث باتت المناطق المقيَّد الوصول إليها تشكّل ما نسبته 65% من مساحة القطاع بحسب تحديث مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في 26 يونيو 2026. ويُحظر على السكان دخول معظمها، ما يفرض وقائع جغرافية وديمغرافية جديدة بقوة السلاح وتغيير مستمر في خريطة توزيع السكان، وإفراغ مناطق جديدة من سكانها، وفق مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة.
يدخل حصر السكان في شريط ساحلي ضيق لا يتجاوز 35% من مساحة القطاع ضمن عملية الإبادة الديمغرافية الجارية، إذ يجري التحكّم في حركتهم وانتقالهم، وإعادة رسم الحدود بين مناطق توزّعهم، وهذا بدا واضحاً من خلال مخطط نقلهم إلى رفح تحت سيطرة إسرائيلية كاملة، ضمن ما بات يُعرف بـ"المدينة الإنسانية"، ما ساهم في إنتاج تجمعات سكانية بخصائص جديدة، تطغى على صفاتها التناحر والتشاجر والمنافسة على الخدمات والموارد، نتيجة جمع فئات من بيئات متباينة في العادات والتقاليد داخل مكان بالغ الصغر وشديد الاكتظاظ، كما أن تمزيق بيئة الغزيين يؤدي إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الأرض والموارد، وفي الأثناء تجري هندسة المجال الإنساني، من خلال إنشاء مراكز تعتمد بالكامل على المساعدات، بما يجعل معاناتهم واقعاً دائماً وليست مؤقتة، وفق ما يرصده طلال أبو ركبة، المحلل في شبكة السياسات الفلسطينية (مؤسسة مستقلة)، مؤكداً أن ما يفعله الجيش الإسرائيلي في غزة حالياً من تجريف ممنهج وإقامة تلال كالساتر الترابي الذي يمتد 23 كيلومتراً شرق الخط الأصفر، وحفر خنادق لا يمكن قراءته إجراءً مؤقتاً؛ بل هو إعادة لصياغة جغرافية قسرية تحول من خلالها بيئة القطاع إلى ساحة مكشوفة ممزقة وساقطة عسكرياً أي تحت السيطرة النارية الكاملة للخصم، والهدف البارز، استبدال حقيقي لاستراتيجية الدفاع التكنولوجي الهش بالحسم الفيزيائي عبر بتر الجغرافيا وتفتيت الديمغرافيا لضمان عدم تكرار أي تهديد مستقبلي.
كما أن عملية كيّ الوعي الجمعي بعدم جدوى المقاومة، يسهم أيضاً في تفكيك الشبكات الاجتماعية، ومنظومة القيم، وتعيد تشكيل الاقتصاد المحلي، وتنشئ خرائط جديدة للخدمات، وهذا كله يغير طبيعة العلاقة بين المجتمع والمكان، وهو ما تحدث عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن تتحول الهجرة من قسرية إلى مسار إنساني، بعد أن تم تغيير شكل القطاع ما يقود إلى إفراغ القطاع من سكانه، خاصة الشباب، ومن هنا يعلق أبو ركبة: "هذا هو لبّ الهدف في الإبادة الديمغرافية بحيث يخضع الناس لضغوط لا تنتهي تسفر عن بيئة طاردة، ستؤدي حتماً إلى دفع الناس للهجرة".