بروباغندا جورجيا ميلوني... مناورة سياسية إيطالية على حساب العمالة التونسية

01 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 02 سبتمبر 2025 - 07:48 (توقيت القدس)
عمال تونس بلا دعم قانوني في إيطاليا (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- عدم التزام إيطاليا بتعهداتها: من بين 4000 عامل تونسي وعدت إيطاليا بتوظيفهم، حصل فقط 38 على عمل فعلي، مما يثير الشكوك حول جدية إيطاليا في توفير ظروف لائقة وأجور عادلة.

- التحديات القانونية والاقتصادية: يواجه العمال التونسيون في إيطاليا عقبات قانونية واقتصادية، مثل تأخر تصاريح الإقامة، مما يعرضهم للاستغلال وانخفاض الأجور وغياب الحماية القانونية.

- التلاعب في الاتفاقات الثنائية: تعكس الاتفاقات بين تونس وإيطاليا تلاعبًا سياسيًا واقتصاديًا، حيث تستخدم لتهدئة العلاقات دون تحقيق فوائد حقيقية، مما يستدعي إعادة النظر في استراتيجيات تونس.

يكشف تحقيق "العربي الجديد" الاستقصائي، عن مصير آلاف العمال التونسيين المستقدمين إلى روما ضمن اتفاقات رسمية، كان يفترض بموجبها التحاقهم بسوق الشغل عبر عقود قانونية، في مقابل التزام بمكافحة الهجرة غير الشرعية.

- لم تجد قصص ركاب البحر المتسللين إلى إيطاليا أو "الحارقين" بالدارجة التونسية، مكاناً في نفس العشريني منذر المنصري رغم نشأته في ولاية سيدي بوزيد المصنفة ضمن الأفقر في البلاد بنسبة 26.9% من عدد السكان وفق خريطة الفقر التي أعدها المعهد الوطني للإحصاء (حكومي) بالتعاون مع البنك الدولي في سبتمبر/أيلول 2020.

تحمّل منذر ظروف عمل قاسية وأجراً يومياً زهيداً، بقيمة 15 ديناراً (4.8 دولارات أميركية) أملاً في فرصة عمل شرعية في الخارج بدت قريبة حين وقعت تونس مذكرة تفاهم بشأن الشراكة الاستراتيجية والشاملة مع الاتحاد الأوروبي في 16 يوليو/تموز 2023، ثم اتفاق تونسي - إيطالي بعد ثلاثة أشهر، بموجبه تعهدت روما بمنح التونسيين 12 ألف تأشيرة عمل (4 آلاف سنوياً لمدة ثلاثة أعوام) كان لمنذر ولعشرين من جيرانه حظ فيها، ليظفروا بعقود عمل في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2024.

في البداية مرت الأمور بسلاسة، يقول المنصري لـ"العربي الجديد": "دخلت إيطاليا بشكل قانوني في الشهر نفسه، وقدم صاحب العمل الوثائق التي تثبت التعاقد معنا، ظننا أننا على وشك بدء مرحلة جديدة"، لكن سرعان ما تبدد الأمل لدى السؤال عن تصريح الإقامة، فلم يصدر حتى اليوم، ليتحول وجودهم إلى غير قانوني.

منذر ورفاقه ليسوا وحدهم، إذ تكشف الوكالة التونسية للتكوين المهني، التابعة لوزارة التشغيل في ردها على طلب "العربي الجديد" بالنفاذ للمعلومات، أن 38 تونسياً فقط حصلوا على عمل فعلي من أصل أربعة آلاف عامل وعدت إيطاليا بتشغيلهم عام 2024 بموجب مذكرة التفاهم، أي إن نسبة التشغيل لم تصل إلى 1% من بين الإجمالي، وللدقة 0.95%.

 

تفاؤل البدايات يغمر قصر قرطاج

حين احتضن قصر قرطاج توقيع مذكرة الشراكة الاستراتيجية، تعهدت تونس بمراقبة حدودها البحرية وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر والمساهمة في العودة الطوعية للمهاجرين، وفي المقابل تعهد الاتحاد الأوروبي بتقديم "دعم مالي إضافي مناسب، يشمل اقتناء المعدات والتدريب والدعم الفني"، لتعزيز إدارة الحدود التونسية، وسرعان ما ترجم ذلك إلى قفزة في عمليات خفر السواحل لاعتراض المهاجرين غير الشرعيين أسفرت عن ارتفاع عدد المضبوطين من 38 ألفاً و372 مجتازاً مضبوطاً عام 2022، إلى 81 ألفاً و367 في 2023، بزيادة قدرها 107.7% خلال عام واحد، واستمرت نجاعة العمليات في 2024 لتوقف تونس 66 ألفاً و328 مجتازاً، بحسب توثيق المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

 

تحقيق تونس 2
تنظر إيطاليا إلى تونس كشريك أمني فاعل لكبح جماح الهجرة غير الشرعية (Getty)

في المقابل لم تبادل إيطاليا تونس التزاماً مخلصاً لتعهداتها بموجب الاتفاق الثنائي، خاصة ما يتعلق بـ"توفير ظروف لائقة وأجور عادلة للعمال التونسيين"، ليظلّ 3962 عاملاً عالقاً، ما يثير الشك حول جدية روما تجاه التزاماتها، يقول المتحدث باسم المنتدى رمضان بن عمر لـ"العربي الجديد"، مضيفاً أن "إيطاليا نجحت في تسويق بروباغندا تُظهر نجاحها في كبح الهجرة"،  من ثم تورطت تونس في دعاية سياسية تجاهلت مصالحها وأصوات عمالها المهاجرين، فصارت العلاقة غير متكافئة تصب في مصلحة إيطاليا ثم أوروبا.

إيطاليا تنكرت لالتزاماتها تجاه العمالة التونسية والاتفاقات الثنائية
 

على الضفة المقابلة، روجت تونس الاتفاقات حلاً لبطالة الشباب التي بلغت نسبتها 37.7% خلال الثلث الأول من 2024، بحسب بيانات المعهد الوطني للإحصاء، لكن على الأرض آلاف العمال العالقين في إيطاليا ينفون ذلك، ما دفع النائب في البرلمان التونسي سابقا، والممثل لدائرة إيطاليا (من 2019 إلى 2024) مجدي الكرباعي، للتحذير من "استغلال عقود العمل كواجهة لترضية تونس وكسب شريك أمني دون إدماج العمال فعلياً في السوق"، ويعتبر الكرباعي المنخرط في الدفاع عن قضايا المهاجرين التونسيين في إيطاليا أن العالقين "ضحايا مناورة سياسية هدفها إرضاء شكلي للسلطات التونسية بعد ضبط الحدود".

محادثة مع أحد العمال
                      محادثة مع عامل تونسي عالق في إيطاليا منذ 10 أشهر (العربي الجديد)

 

 

يؤكد ذلك تجاهل تونس حماية عمالها من استغلال السماسرة وأرباب العمل الإيطاليين، إذ تلقى المنتدى عشرات الشكاوى من ضحايا "تجارة العقود"، خمسة عمال منهم أكدوا لـ"العربي الجديد" دفع مبالغ بين 15 و20 ألف دينار (5085–6780 دولاراً) لسماسرة وأرباب عمل، ما يصفه بن عمر بأنه "انتهاز لحوائج وهشاشة أوضاع الراغبين في الهجرة".

مجدي الكرباعي
محادثة مع النائب البرلماني السابق عن التونسيين في إيطاليا مجدي الكرباعي (العربي الجديد)

هنا يصف الكرباعي المشهد بأن "الحكومة التونسية بدلاً من حماية مواطنيها من شبكات التزوير والمهربين أصبحت شريكة في لعبة سياسية معادية للمهاجرين عبر تغاضيها عن العقود الوهمية والتباطؤ في الإجراءات الإيطالية" بينما تسوق داخلياً "حلم الهجرة" حلاً سحرياً للبطالة والفقر. ويضيف واصفاً واقع التونسيين بإيطاليا: "من لم يغرق في البحر، غرق في صعوبة الحصول على الوثائق، ومن لم يُرحّل من المطار يعيش مختبئاً بلا أوراق ولا حقوق، ومن لم تعتقله الشرطة الإيطالية، صار مجرد رقم في إحصائيات دعائية".

 

روما تتلاعب رغم حاجتها إلى العمال

لم يكن تنامي استقدام العمال التونسيين منّة إيطالية، فسفيرها في تونس أليساندرو برناس عزا منح نحو ثمانية آلاف تأشيرة عمل للتونسيين خلال 2024، في إطار الاتفاقية أو خارجها، لارتفاع طلب الشركات الإيطالية على العمالة التونسية. وينظم عملية استقدام العمالة الأجنبية لإيطاليا "مرسوم التدفقات" الحكومي الهادف لسد احتياجات السوق في قطاعات حيوية تشمل البناء والسياحة والصناعات الغذائية والميكانيكا وبناء السفن والصيد والكهرباء والاتصالات، مع إعطاء الأولوية لمواطني الدول المرتبطة باتفاقيات ثنائية في مجال الهجرة مثل تونس.

%107.7 نسبة الزيادة في عمليات ضبط قوارب الهجرة غير الشرعية
 

يسمح المرسوم لأرباب العمل بطلب عمال من الخارج بعد التأكد من غياب بدائل محلية، ثم يعرض الملف على وزارة الداخلية ومكاتب الهجرة لإصدار "شهادة عدم الممانعة" (Nulla Osta)، التي تتيح للعامل طلب تأشيرة عمل، على أن يوقع عقده النهائي خلال ثمانية أيام من وصوله ويقدم طلب الإقامة الرسمية، لكن ما يبدو إجراءً تنظيمياً يخفي ثغرات يستغلها أرباب العمل ضد المهاجرين، فغالباً يواجه العمال عراقيل في الحصول على الإقامة، وهي شرط أساسي للتوظيف، وبدونها يصبح وضعهم غير قانوني مهددين بالترحيل، خاصة أن شهادة عدم الممانعة صالحة لستة أشهر فقط. كالعشريني عبد الجليل العيادي من مدينة القيروان وسط تونس، الذي انتهت صلاحية شهادة عدم الممانعة، فوجد نفسه بلا مأوى ولا عمل واضطر إلى السكن في منزل مهجور بروما ثم العمل سراً في البناء بأجر يومي لا يتعدى 20 يورو. 

تحقيق تونس 3
                شهادة عدم الممانعة Nulla Osta لاستقدام عامل أجنبي (العربي الجديد)

يتضح حجم الظاهرة عند قراءة تقرير لاتحاد العمال الإيطالي الصادر في 8 إبريل/نيسان 2024، إذ كشف أن 5161 عاملاً أجنبياً فقط من أصل 600 ألف نجحوا في استكمال الإجراءات وبدء العمل فعلياً، بنسبة تقل عن 1%، ورغم مسؤولية السلطات عن تأخر الإجراءات، لا تظهر روما تجاوباً يذكر، فقد حصل "العربي الجديد" على مراسلات بين تونسيين ومكتب الهجرة الإيطالي (Sportello Unico per l Immigrazione) يطالبون بتفسير تأخر إصدار الإقامة لأكثر من عام رغم استكمال الخطوات، فجاء الرد مقتضباً بأن التحقق من العقود ما زال جارياً.

تحقيق تونس 4
                   رد المكتب الموحد للهجرة بأن الطلب قيد المراجعة (العربي الجديد)

لهذا خلص تقرير اتحاد العمال الإيطالي إلى أن "مرسوم التدفقات يعمق الإقصاء ولا ينظم دخول سوق العمل"، لافتاً النظر إلى وجود شبكة من الوسطاء "الانتهازيين" الذين يتلاعبون بالطلبات من دون نية توظيف حقيقية، ما يحول الآلية من جسر قانوني للهجرة إلى مصيدة بيروقراطية واستغلالية، داعياً الحكومة الإيطالية إلى اتخاذ خطوات عاجلة لتسوية أوضاع آلاف العمال العالقين.

 

العقوبات تنتظرهم

أجبر تأخر صدور الإقامة منذر ورفاقه على العمل غير النظامي في مزارع العنب والزيتون بمدينة سيينا وسط إيطاليا، يقول منذر: "نعمل لأكثر من 13 ساعة يومياً مقابل 40 يورو فقط، نعيش مختبئين، نخشى مداهمة الشرطة، وأصحاب المزارع يستغلوننا، أحياناً لا يدفعون لنا ويهددوننا بالطرد، لكننا مضطرون بعد استنزاف موارد عائلاتنا"، وهو ما يستفيد منه أرباب العمل الإيطاليون، إذ توصل تقرير صادر عن مكتب المنظمة الدولية للهجرة في روما، عام 2024، إلى انخفاض أجور العمال التونسيين في المهن اليدوية المتخصصة بنسبة بين 15% إلى 20% مقارنة بنظرائهم الإيطاليين، فيما يواجه 45% من عمال البناء التونسيين تأخيراً في صرف مستحقاتهم المالية لأكثر من شهرين، ما دفع 30% منهم إلى تغيير رب العمل خلال السنة الأولى.

تحقيق تونس 5
يتأخر صدور تصريح الإقامة لفترات طويلة قد تنقضي خلالها صلاحية شهادة عدم الممانعة (العربي الجديد)

يتقاطع وضع العمال الهش مع رقابة إيطالية صارمة لمكافحة الهجرة غير النظامية مستندة للمرسوم التشريعي 109 لسنة 2012، المطبق في أغلب دول الاتحاد الأوروبي، وتعاقب المادة 22 من قانون الهجرة الموحد من يوظف أجانب مقيمين غير قانونيين بالسجن من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة خمسة آلاف يورو عن كل عامل.

وسط هذا السياق المعقد تغيب أية حماية قانونية توفرها القنصلية التونسية في روما للعالقين كما تؤكد العشرينية سمية السالمي التي وصلت إلى البلاد في إبريل 2024 للعمل في منزل بفينيسيا، قبل أن تجد نفسها مخالفة للقانون بسبب تأخر إصدار الإقامة، تقول: "بعد نفاذ مدخراتي وانتهاء كراء المنزل قصدت القنصلية لطلب المساعدة، لكنهم أخبروني أن الأمر خارج صلاحياتهم ونصحوني بالعودة إلى تونس"، تستدرك: "لكن كيف أعود بعد كل هذا الجهد وأنا أعلم أنني سأرجع نقطة الصفر"، لتظل متنقلة بين وظائف خدمية غير مستقرة في المطاعم والتنظيف، بالإضافة إلى سمية وثق "العربي الجديد" عشر شهادات لعمال لجؤوا إلى القنصلية طلباً للمساعدة، لكنهم لم يتلقوا أي رد.

تحقيق تونس 5
لا تتجاوب القنصلية التونسية في روما مع شكاوى العمال العالقين (العربي الجديد)

وبينما رفضت الخارجية التونسية التعليق على شهادات المواطنين العالقين حين طلبت إذن الخارجية بوصفها خطوة إجرائية إلزامية لمراجعة القنصلية الإيطالية في تونس وقالت لـ"العربي الجديد" إنها "تستشعر الحرج من التعاطي مع هذا الملف"، نفت عضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الإيطالي فريدريكا أوروني استهداف التونسيين بالتأخير، مرجعة الأمر إلى الزيادة في عدد الطلبات.

وسواء قصدت روما تأخير إجراءات العمال التونسيين وحدهم أم الجميع، لا يغير هذا من بقاء منذر ورفاقه من دون أي خيارات كريمة تذكر، متسائلين عن جدوى الاتفاقات التي لم تطبق، مجمعين على أن لدى بلادهم أوراق ضغط مهمة يمكن أن تغير القواعد وتعيد التوازن المفقود، لو اختارت استخدام هذه الأوراق دفاعًا عن مواطنيها بدلًا من البحث عن رضا الشركاء الأوروبيين.