جماعات الضغط المغربية... فاعل غير مؤسس قانونياً يتلاعب بالنظام التشريعي

01 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 14:09 (توقيت القدس)
لوبيات اقتصادية تمارس ضغوطاً على البرلمان المغربي (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تنشط جماعات الضغط في المغرب في بيئة قانونية غير منظمة، مما يثير تساؤلات حول تأثيرها على التشريعات، خاصة في مناقشات قوانين المالية.
- تشمل هذه الجماعات لوبيات اقتصادية ومهنية تسعى للتأثير على التشريعات لصالحها، مثل شركات المحروقات والبنوك، وتستخدم وسائل متعددة للتأثير.
- يفتقر النظام القانوني المغربي إلى إطار ينظم عمل جماعات الضغط، مما يضعف الشفافية ويؤدي إلى تضارب المصالح، ويدعو الخبراء إلى ضرورة إصدار قانون ينظم عملها.

تنشط جماعات الضغط المغربية في بيئة ضبابية قانونياً وتفتقر إلى الشروط الشكلية والموضوعية لتنظيم عملها، ما يخلق غموضاً بين تأثير مشروع يندرج برلمانياً في إطار المشاركة العامة، في مقابل تحشيد قد يخلق انحرافاً تشريعياً.

- يتابع رئيس الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان (مستقلة) إدريس السدراوي عن كثب مجريات مناقشة مشروع القانون المالي لعام 2026، لا سيما المادة الرابعة وتفاصيل مراجعة الرسوم الجمركية الخاصة بالمنتجات الدوائية المستوردة، بعدما أثارت نقاشاً حاداً بين الحكومة ونواب في المعارضة، بسبب ما وصفوه بـ"تشريع على المقاس" لفائدة "لوبيات نافذة في قطاع الدواء" و"مسؤولين حكوميين لهم مصالح مباشرة"، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول الجهات المستفيدة من تعديلات قوانين المالية التي تمسّ منظومة الأسعار وهوامش الربح، كما يقول لـ"العربي الجديد".

تشمل التعديلات التي يتضمّنها مشروع موازنة السنة القادمة رفع الرسوم الجمركية المطبّقة على المنتجات الدوائية التي تتوفر على تصنيع محلي من 2.5% إلى 10%، ومن 10% إلى 17.5%، ومن 17.5% إلى 30%. كذلك تشمل تخفيض الرسوم الجمركية المطبقة على المنتجات التي لا تتوفر على نظائر مصنعة محلياً من 30% إلى 2.5%، وفق معطيات وزارة الاقتصاد والمالية.

وبينما أثارت التعديلات المذكورة توجّسات ومخاوف، وفق السدراوي، كان لافتاً للانتباه إعراب الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، خلال جلسة للجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب عُقدت في 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2025 للرد على مداخلات البرلمانيين ضمن المناقشة العامة لمشروع قانون مالية 2026، عن رفضه الاتهامات بـ"الكذب" و"التلاعب" و"التشريع على المقاس"، مؤكداً أن "الحكومة ستسحب التعديلات وتعتذر للمواطنين في حال ثبت للنواب أن تشريعاً ما جيء به على المقاس".

غير أن السدراوي يؤكّد أن الرابطة "سجلت بالفعل أكثر من ست حالات وممارسات ضاغطة من طرف جماعات مصالح ولوبيات اقتصادية ومهنية داخل المغرب لتوجيه أو تعطيل بعض المشاريع القانونية بما يخدم مصالحها الخاصة على حساب المصلحة العامة، عبر الاستفادة من تحفيزات وتخفيضات ضريبة أو إقبار آليات الرقابة البرلمانية"، ويشير إلى أن الحالات الست هي مناقشة تقرير مجلس المنافسة حول الأسعار وهوامش الربح، ومشاريع القوانين المتعلقة بالاستثمار والتمويل البنكي، ومشروعا قانونين خاصين بالإضراب والنقابات، وإصلاح نظام المساهمة المهنية الموحدة، ومشروع قانون تجريم الإثراء غير المشروع، وقانون أموال الدعم المقدمة لاستيراد المواشي وتسويق اللحوم الحمراء، داعياً إلى نقاش وطني مسؤول حول "اللوبينغ (اللوبي) المشروع وغير المشروع"، وذلك "حمايةً للديمقراطية ودعماً لبرلمان يخدم الشعب لا المصالح الخاصة".

كيف يجرى التلاعب بمشروعات القوانين؟

يؤكد أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري في جامعة محمد الخامس بالرباط، والمستشار البرلماني السابق عبد العالي حامي الدين، لـ"العربي الجديد"، أن جماعات الضغط تشتغل بتزايد داخل أروقة البرلمان المغربي، خصوصاً بمناسبة مناقشة قانون المالية أو مناقشة تقارير مؤسسات عمومية أو مؤسسات تختص بالحكامة والرقابة المالية، من بينها لوبي شركات المحروقات الذي برز خلال مناقشة تقارير مجلس المنافسة حول الأسعار وهوامش الربح، ولوبي البنوك وشركات التأمين خلال مناقشة مشاريع القوانين المتعلقة بالاستثمار والتمويل البنكي، فضلاً عن نقابات مهنية (التعليم، الصحة، المحامون...) التي ترافعت بمختلف الأشكال من أجل ممارسة ضغط مباشر على البرلمان والحكومة بخصوص أنظمة التقاعد وإصلاح التعليم أو مشروع قانون مهنة المحاماة. كما أن جمعيات المجتمع المدني تترافع وتضغط لمصلحة قوانين مرتبطة بالبيئة وحقوق المرأة ومكافحة العنف ضد النساء.

وبحسب ما وثّقته هيئته الحقوقية من حالات تخص عمل جماعات الضغط للتأثير على البرلمان المغربي وتوجيه القرارات السياسية والتشريعية، بما يخدم مصالحها، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو مهنية، يقول السدراوي إن لوبيات اقتصادية تشتغل في مجالات الطاقة والمحروقات والعقار والصفقات العمومية، تمارس ضغوطاً مباشرة أو غير مباشرة على البرلمان لتعطيل أو تخفيف مشاريع القوانين ذات العلاقة بالتسقيف (وضع حدّ أقصى مسموح فيه) أو المراقبة أو المنافسة العادلة كما كان الحال مع الجدل الذي رافق مشروع تسقيف أسعار المحروقات بعد تقرير مجلس المنافسة، إذ مارس لوبي شركات المحروقات ضغطاً على البرلمان عن طريق عدد من البرلمانيين في الأغلبية والمعارضة على مستوى لجنة الاقتصاد والتنمية القروية ومكتب مجلس النواب، الذين تحركوا في مرحلة أولى لإيقاف عملية تشكيل اللجنة البرلمانية الاستطلاعية حول المحروقات في عام 2018، بعدما كانت المسطرة القانونية لإحداثها قد انتهت بموافقة مكتب مجلس النواب، وفي مرحلة ثانية بعد تشكيلها للالتفاف والتشويش على عملها من خلال تسريب نسخة من تقريرها يختلف عن التقرير النهائي، وانتهاء بمحاولة إفراغ تقرير اللجنة من مضمونه، لا سيما الجوانب المتصلة بحذف الحديث عن مسؤولية شركات المحروقات والأرباح التي حققتها بعد قرار الحكومة رفع الدعم عن المحروقات في بداية عام 2015.

ويتجلى الفرق الواضح بين النسختين في الاستنتاجات والتوصيات، إذ اختفت من النسخة النهائية للتقرير الإجراءات المصاحبة لتحرير سوق المحروقات، وعلى رأسها غياب نظام للتتبع الدقيق لحركة الأسعار على المستوى الدولي وأثرها على المستوى الداخلي، والتدخل عند الضرورة كما هو معمول به في المواد الغذائية الأساسية المحررة، وتسجيل تقارب كبير بين أسعار البيع المطبقة على مواد المحروقات بين الشركات والمحطات في مختلف المناطق والجهات؛ وغيرها. كما اختفت العديد من التوصيات من النسخة النهائية للتقرير النهائي، منها: حماية المستهلك من خلال تحديد سقف أعلى كهامش للربح، تماشياً مع الممارسات الدولية، وإرجاع مبلغ 3.08 مليارات درهم (304 ملايين دولار أميركي) غير المستثمر من طرف الشركات في تطوير بنيات التخزين والذي يعتبر ديناً لصندوق المقاصة، وفق السدراوي.

استغلال سياسي حزبي

في المقابل، تنفي النائبة السابقة عن حزب التجمع الوطني للأحرار (ليبرالي من يمين الوسط، وهو قائد الائتلاف الحكومي الحالي)، أسماء غلالو، ما سبق، قائلة: "كان هناك استغلال سياسي لموضوع المحروقات من طرف بعض الأحزاب السياسية، كما أن ما أثير بخصوص هامش ربح شركات المحروقات مغلوط، نظراً لتفاوت أرباح الشركات، بعد أن قامت الدولة بتحرير الأسعار ولم تُحدّد السقف، على الرغم من مطالبة الشركات بتحديد نظام موحد للأسعار".

كما تسعى لوبيات مهنية تمثل فئات مهنية مؤثرة، مثل المنعشين العقاريين أو الأطباء أو بعض القطاعات الحرة، غالباً إلى تأجيل أو تعديل القوانين الضريبية والإصلاحات الاجتماعية التي تمس مصالحها، يقول السدراوي، ممثلاً لذلك بالضغوط التي مورست ضد إصلاح نظام المساهمة المهنية الموحدة (CPU) الذي اعتمده قانون المالية 2020 من طرف 64 جمعية وهيئة مهنية راسلت رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، ووزير المالية، ووزير الصناعة والتجارة والاقتصاد الأخضر والرقمي، والمدير العام للمديرية العامة للضرائب، معلنةً رفضها للنظام، ما أدى إلى تعديلات جوهرية خففت من الأثر الضريبي على بعض الفئات مثل تحديد نسبة الضريبة على الدخل لدى بعض المهن في 45% عوض 60%.

لكن مصدراً في المنظمة الديمقراطية للنقل واللوجستيك متعددة الوسائط (اتحاد عمالي وعضو بالمركزية النقابية المنظمة الديمقراطية للشغل)، طلب عدم ذكر اسمه لأنه غير مخول له بالتصريح للإعلام، اعتبر الضغط الذي مارسته النقابات وتحركاتها في اتجاه البرلمان والحكومة أمراً مشروعاً، بعدما تبين لها أن النظام الجديد لاحتساب الضريبة وفق نظام المساهمة المهنية الموحدة" جائر وظالم وغير عادل ويتعارض مع مقتضيات الدستور خاصة الفصلين 39 و40 منه، واللذين ينصان على أن المواطنين يتحملون التكاليف العمومية والتكاليف التي تتطلبها تنمية البلاد كل على قدر استطاعته، وكذلك بصفة تضامنية وبشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها".

تراجع قوانين محاربة الفساد

تستعمل جماعات الضغط أحياناً واجهات جمعوية أو إعلامية لتمرير خطاب موجه ضد بعض الإصلاحات، أو لتوجيه الرأي العام نحو قضايا ثانوية لصرف الأنظار عن ملفات كبرى، كما كان الأمر مع مشروع قانون تجريم الإثراء غير المشروع، الذي ظل عالقاً منذ 2016 في رفوف البرلمان رغم أهميته في تعزيز الشفافية ومحاربة الفساد، قبل أن تقدم الحكومة الحالية على سحبه من البرلمان في نوفمبر/ تشرين الثاني 2021 بدعوى صعوبة مناقشته بشكل مجزأ، كما يوضح السدراوي، لافتاً إلى أن السحب "يثير الكثير من الأسئلة حول الخلفيات الحقيقية، ويُظهر لماذا تم التواطؤ خلال المرحلة السابقة من بعض مكونات الأغلبية، ومنها الحزب الذي يقود الحكومة حالياً، مع مكونات معارِضة، من أجل عدم تمرير هذا النص" .

تستعمل جماعات الضغط واجهات جمعوية أو إعلامية لتمرير خطابها

ويتابع: "اليوم نحن أمام تراجع في مسار توفير القوانين المناسبة لمحاربة الفساد ومحاصرة الإثراء غير المشروع والذي يتعلق في الأساس بموظفي الدولة المشمولين بالتصريح بالممتلكات. كنا ننتظر أن تجيء الحكومة بالقوانين المكملة لمسلسل الإصلاح، لكنها ارتأت سحب قوانين مهمة لفائدة لوبي الفساد وأطراف مستفيدة من الوضع الراهن تعمل على عرقلة أي مبادرة تشريعية من شأنها تضييق الخناق على الفساد والممارسات غير الشفافة".

لكن مصدراً حكومياً ينفي أن يكون سحب مشروع قانون الإثراء غير المشروع خدمة للوبي الفساد، مؤكداً أنه جاء لتجنب استغلاله في تقديم شكايات كيدية ضد الموظفين العموميين، وأن محاربة الفساد تتطلب آليات مؤسساتية واضحة وبناء مؤسسات قوية، بعيداً عن الشعارات الفضفاضة والاتهامات غير المدروسة التي قد تضر بصورة المرفق القضائي والإداري.

ضغوط وتأثير

تُعدّ جماعات الضغط، وفق رئيس مركز شمال أفريقيا للدراسات والأبحاث وتقييم السياسات العمومية في المغرب (مستقل يهتم بإصدار تقارير دورية تتعلق بحصيلة السياسات الحكومية) رشيد لزرق، فاعلاً غير مؤسَّس قانونياً داخل النظام التشريعي المغربي، لكنها حقيقة اجتماعية وسياسية مؤثرة في سير العمل البرلماني، مشيراً، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن الممارسة تكشف أن ضغوطاً متنوعة تمارس من هيئات اقتصادية، كالاتحاد العام لمقاولات المغرب (نقابة رجال الأعمال) ومنظمات مهنية كالنقابات، وجمعيات قطاعية تسعى للتأثير على مسار إعداد القوانين وحتى على آليات الرقابة البرلمانية، خصوصاً في ما يتصل بالمجالات الاقتصادية والاجتماعية. كما كان الأمر في إبريل/نيسان 2025، حين أُلغي تشكيل لجنة تقصي الحقائق أو استطلاع للوقوف عند حجم أموال الدعم المقدمة لاستيراد المواشي وتسويق اللحوم الحمراء خلال موسمي عيد الأضحى لعامي 2023 و2024، بعد أن نجحت مجموعة ضغط نشطة في التأثير عن طريق علاقاتهم المتشعبة مع عدد من البرلمانيين لإقبار أعمال آليات الرقابة البرلمانية، جراء تمسك فرق الأغلبية بتشكيل لجنة مهمة استطلاعية مقابل إصرار فرق المعارضة على ضرورة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق.

ويضيف: "في الوقت الذي كان ينتظر من مجلس النواب أن يكشف مصير الدعم العمومي لاستيراد المواشي ومراقبة قنوات تسويق اللحوم وتكلفته الحقيقية، انزلقت الأمور إلى مأزق دستوري وقانوني سبّب انسداداً غير مسبوق في العمل الرقابي للمؤسسة التشريعية، ما مكّن من عدم مساءلة المستفيدين من الإجراءات الحكومية التي تضمنت دعماً مباشراً بقيمة 500 درهم مغربي (50 دولاراً أميركياً) عن كل رأس غنم موجه للذبح خلال موسمي عيد الأضحى لعامي 2023 و2024 فضلاً عن حوافز وإعفاءات مثيرة للجدل".

لكن رئيس الفريق النيابي لحزب التجمع الوطني للأحرار محمد شوكي، ينفي أن يكون موقف فرق الأغلبية البرلمانية من تشكيل لجنة تقصي الحقائق كان دفاعاً عن مصالح المستفيدين من دعم استيراد المواشي، موضحاً، لـ" العربي الجديد" أن الأغلبية فضلت تشكيل مهمة استطلاعية بدلاً من لجنة تقصي الحقائق، على اعتبار أن الأولى آلية مشتركة للأغلبية والمعارضة، تحترم مبدأ النسبية والتوازن، إذ يمكن أن يكون الرئيس من المعارضة والمقرر من الأغلبية أو العكس. كما أن من صلاحياتها مراقبة النشاطات والإجراءات الحكومية، ولها الحق في الاستماع والزيارات الميدانية، مؤكداً أن هدف المهمة الاستطلاعية كان في الأول والأخير "تنوير الرأي العام وإجراء تقييم حقيقي لأسباب عدم تحقيق هذا الإجراء للهدف المرجو منه".

الصورة
فراغ تشريعي يحد من إمكانية ضبط العلاقات بين المشرّع والمصالح الخاصة
فراغ تشريعي يحد من إمكانية ضبط العلاقات بين المشرّع والمصالح الخاصة (Getty)

الأقوى تأثيراً

من واقع تجربتها كنائبة برلمانية عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات للشعبية (اشتراكي ديمقراطي) المعارض خلال الولاية التشريعية 2016 – 2021، تؤكد حنان رحاب، أن جماعات الضغط الاقتصادية، هي الأقوى تأثيراً، موضحة أنها تمثل مصالح الشركات الكبرى والمقاولات والمؤسسات المالية، وغالبا ما تتحرك عبر الاتحاد العام لمقاولات المغرب أو شبكات رجال الأعمال (العقارات، صناع الأدوية، شركات المشروبات الغازية، شركات استيراد الملابس، المصحات الخاصة، المدارس الخصوصية).

ويميز البرلماني السابق بمجلس المستشارين عن حزب العدالة والتنمية، نبيل الأندلوسي، بين جماعات الضغط بمفهومها الواسع الذي يشمل النقابات العمالية ونقابات رجال الأعمال والمقاولات، والجمعيات أو المنظمات غير الحكومية، والهيئات المهنية، وبين شركات خاصة أو شخصيات تعمل في مجال القوى الضاغطة. ويشرح لـ"العربي الجديد" أن الأولى تقوم بأعمال الضغط لحماية مصالح المنتسبين إليها والدفاع عنها، على مستوى المؤسسة التشريعية من خلال لقاءات مع الفرق البرلمانية ومحاولة كسب الدعم لوجهة نظرها في مشروع قانون أو مقترح قانون، وأساساً أثناء مناقشة مشروع قانون المالية.

ووفق الأندلوسي، فإن "هذا النوع من العمل أو الضغط القانوني، إن جازت تسميته بهذا المصطلح، موجود ومتعارف عليه على مستوى المؤسسة التشريعية، ويتم من خلال لقاءات ومحاولة إقناع البرلمانيين والوزراء والمسؤولين للقطاعات الوزارية لتغيير مقتضى أو تعديله أو حتى الإبقاء عليه". بالمقابل، يوضح أن الشركات الخاصة أو شخصيات تعمل في مجال القوى الضاغطة، وإن كانت غير موجودة بشكل قانوني ورسمي، إلا أنه يمكن ملاحظة أثرها من خلال بعض الممارسات التي تقوم بها مكاتب دراسات أو شركات استشارة أو وكالات إعلام وإشهار أو التعاقد مع بعض المؤثرين، مما يستدعي تدخل القانون لضبط هذا المجال".

حملات منسقة

لتحقيق مصالحها تراهن جماعات الضغط على الاتصال المباشر بالنواب والمستشارين، أو من خلال المذكرات والعرائض المقدمة للبرلمان، أو عبر حملات إعلامية منسقة للضغط على الرأي العام، وبالتالي التأثير غير المباشر على البرلمانيين، كما يقول حامي الدين، موضحاً أن بعض تلك الجماعات قد يلجأ إلى تنظيم وقفات واحتجاجات موازية للمصادقة على قوانين حساسة، في حيت تلجأ أخرى في بعض الأحيان، إلى التأثير في القرار التشريعي عبر علاقات مالية أو دعم انتخابي غير مُقنّن.

وبحسب لزرق، فإن جماعات الضغط في المغرب تعمل عبر آليات غير مؤطرة قانوناً، لكنها قائمة في الواقع العملي من خلال قنوات مؤسسية وشبه مؤسسية، موضحاً أن تلك الجماعات "تستغل جلسات الاستماع التي تعقدها اللجان الدائمة أثناء دراسة مشاريع القوانين، وتقدم مذكرات واقتراحات مكتوبة تُحال أحياناً على المقررين البرلمانيين. كما تعتمد الاتصالات الفردية بالنواب، وتنظيم اللقاءات التواصلية والإعلامية، والضغط عبر الرأي العام أو من خلال اللوبيات الحزبية والقطاعية"، مؤكداً أن "هذه الوسائل، وإن كانت لا تُعتبر مخالفة للقانون، إلا أنها تفتقر إلى إطار يحدد الشروط الشكلية والموضوعية لممارستها، مما يخلق غموضاً بين التأثير المشروع الذي يندرج في إطار المشاركة العمومية في إعداد السياسات، وبين الضغط المصلحي الذي قد يُفضي إلى انحراف تشريعي يخالف مبدأ المساواة أمام القانون ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة".

فراغ تشريعي وغياب الشفافية

لا يتضمن النظام القانوني المغربي نصوصاً صريحة تُؤطر نشاط جماعات الضغط داخل البرلمان، سواء في النظام الداخلي لمجلس النواب أو في القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والعلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ما يجعلنا أمام فراغ تشريعي يحد من إمكانية ضبط العلاقات بين المشرّع والمصالح الخاصة، ويجعل مراقبة التأثيرات المصلحية صعبة، كما يقول لزرق.

ووفق حامي الدين، فإن الدستور المغربي لعام 2011 يعترف بالحق في تقديم العرائض والملتمسات (الفصل 14 و15) غير أنه لا يوجد قانون صريح ينظم جماعات الضغط كما هو معمول به في الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة، موضحاً أن غياب إطار قانوني يؤدي إلى فوضى وضبابية بحيث لا نعرف - رسمياً - حجم النفوذ، مصادر التمويل، ولا آليات التأثير، ويمكن أن يخلق تضارب مصالح لدى النواب، مثل ما حصل مع إقرار الدعم المباشر وتخفيض رسوم الاستيراد للمواشي في الوقت نفسه أو التخفيض من رسوم الاستيراد لبعض المنتوجات المحددة التي تستفيد منها فئات محددة قريبة من السلطة، كما كان الأمر في مشروع قانون المالية لسنة 2025، الذي قضى بتخفيض نسبة رسوم الاستيراد المطبق على عسل المائدة في عبوات يزيد وزن محتواها على 20 كيلوغراماً، من 40% إلى 2.5% لفائدة برلماني يستورد 80% من العسل؛ وذلك ضمن تعديلات تقدمت بها الأغلبية التي ينتمي إليها. وهو ما يساهم في تكريس استغلال المنصب لمراكمة مصالح غير مشروعة (تضارب المصالح) وفي إضعاف الثقة في البرلمان، وتكريس الفساد السياسي والاقتصادي، على حساب المصلحة العامة وحقوق الفئات الهشة، كما يورد حامي الدين.

فوضى وضبابية جراء غياب إطار قانوني ينظم عمل جماعات الضغط

ما سبق يتفق معه لزرق الذي يقول إن غياب قانون للوبيات يؤثر سلباً على مبدأ الشفافية المنصوص عليه في الدستور، ويضعف ثقة المواطنين في المؤسسة البرلمانية باعتبارها سلطة تمثل الإرادة العامة. كما أن تفضيل مصالح فئات محدودة على حساب المصلحة العامة يؤدي إلى خلل في العدالة التشريعية، ويقوض مبدأ تكافؤ الفرص في الوصول إلى الموارد والتأثير في القرار العام.

وبينما لا يزال عمل جماعات الضغط في المغرب غير مؤطر قانونياً رغم النقاشات التي أثيرت داخل البرلمان حول إعداد قانون ينظم "اللوبيينغ" على غرار التجارب الدولية، يقول السدراوي إن "غياب هذا التأطير يجعل من هذه الممارسات منطقة رمادية تضعف الشفافية وتفتح الباب أمام تغليب المصالح الخاصة على حساب الصالح العام". كما تضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين والفاعلين الاقتصاديين، وتضعف ثقة المواطنين في البرلمان والمؤسسات التمثيلية، وتهدد المسار الديمقراطي من خلال تحويل النقاش التشريعي إلى رهينة المصالح الضيقة، يقول السدراوي.

بالمقابل، تفيد ورقة بحثية أصدرها المعهد المغربي لتحليل السياسات (غير حكومي) في فبراير/شباط 2024، أن القطاع الخاص، بصفته مكوناً اجتماعياً واقتصادياً، له الحق في التفاعل مع المؤسسات السياسية والتشريعية لضمان تمثيل مصالحه بطريقة شفافة وغير ملزمة. كما أنه يلعب دوراً جوهرياً في التطور الاقتصادي والاجتماعي، والاستماع إلى آرائه يمكن أن يسهم في تحسين السياسات العمومية، وتجويد التشريع، خاصة في ما يتعلق بقانون المالية الذي يعتبر عملاً تشريعياً سنوياً، تتحد فيه جهود الحكومة والبرلمان، ويمكن إشراك باقي الفاعلين من خلال التشاور.

وبينما تؤكد الورقة البحثية المعنونة بـ "لوبي القطاع الخاص في البرلمان المغربي"، الصادرة عن المعهد المغربي لتحليل السياسات في 14 نوفمبر 2024، أن الدول التي سمحت بتفاعل مؤسساتها البرلمانية مع القطاع الخاص، لم تتعرض بالضرورة لتضارب المصالح، ما دام هناك قواعد شفافة تنظم هذا التفاعل، يرى الأندلوسي أنه "إذا كانت بعض الدول الديمقراطية تسمح بعمل شركات كقوى ضاغطة، إلا أن خطورتها تبقى كبيرة بالنسبة للدول ذات الديمقراطيات الناشئة، كحالة المغرب".

وبحسب رحاب، فإنه "إذا اشتغلت جماعات الضغط في إطار شفاف ومؤطر، فهي تضيف قيمة نوعية، إذ تمكن البرلمانيين من الاطلاع على المعطيات الميدانية الدقيقة، وتساهم في إغناء النقاش العمومي، لكن المشكلة تظهر حين تتحول إلى وسيلة لخدمة مصالح ضيقة على حساب المصلحة العامة، أو حين تُمارس بعيداً عن أي شفافية أو مراقبة".

وتبعاً لذلك، يؤكد لزرق أن الحاجة أصبحت ملحة لاعتماد قانون ينظم عمل جماعات الضغط وفق مقاربة تشاركية تضمن الشفافية وتُخضع العلاقات بين المشرّع وأصحاب المصالح للرقابة والمساءلة الدستورية. وهو ما يتفق معه السدراوي داعياً إلى الإسراع في إصدار ذلك القانون، ونشر كل المذكرات والمقترحات التي تصل إلى البرلمان من طرف جهات غير رسمية، وتعزيز آليات الرقابة والمساءلة داخل المؤسسة التشريعية.