جيش الأيتام ومجهولي النسب... تجنيد قسري لأطفال سوريين مودعين في دور الرعاية
- التلاعب بالهويات والوثائق: أظهرت التحقيقات تلاعب إدارة دور الأيتام بهويات الأطفال وأعمارهم لتسهيل تجنيدهم، وتزوير الوثائق الرسمية، مما أدى إلى معاناة مضاعفة للأطفال بعد سقوط النظام.
- الاتجار الدولي واستغلال الأطفال: امتد استغلال الأيتام إلى إرسالهم للقتال في ساحات خارجية مثل العراق ولبنان ضمن مليشيات طائفية، باستخدام وسائل تضليل وإغراء بفرص مستقبلية زائفة.
يكشف تحقيق "العربي الجديد" الاستقصائي عن تجنيد النظام السوري المخلوع للأيتام ومجهولي النسب ضمن صفوف قواته واتجاره بهم وإلحاقهم مرتزقة ضمن صفوف حلفائه، متجاهلا ما نص عليه قانونه الخاص بإعفائهم من الخدمة العسكرية.
- كل ما جال في خاطر العشريني السوري محمد المدني أثناء دخوله إلى شعبة التجنيد في ضاحية قدسيا بمحافظة ريف دمشق، أن يجد مخرجا ما لقرار إلحاقه بالخدمة الإلزامية، غير أن الأمل سرعان ما تبدد بمجرد جلوسه أمام رئيس الفرع الذي سحب ورقة دفعها نحوه بصمت، مكتوباً فيها "مكلف بالخدمة العسكرية بقرار رئاسي". لحظتها عرف "المدني" أنه صار "عسكريا" فامتثل وتابع قراءة باقي العبارة التي بدت وكأنها تُخاطبه مباشرة: "الدولة التي آوتك صغيرا، آن الأوان أن ترد لها الجميل كبيرا".
لا يعرف المدني ما هو ذنبه، ولا ما هو الدين الذي عليه أن يقضيه في عام 2015، مقابل رعايته منذ أن كان طفلا في الثالثة من عمره وصل إلى دار الأيتام برفقة أخته التي تصغره عاما، بعد أن تركتهما والدتهما لدى امرأة تسكن في مخيم اليرموك في دمشق ريثما تحضر لهما الطعام، بيد أنها ذهبت ولم تعد، فما كان من السيدة إلا أن سلمت الطفلين إلى مخفر الشرطة، الذي أودعهما بدوره لدى دار زيد بن حارثة للأيتام التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ثم نُقل وباقي الأطفال إلى مجمع لحن الحياة لرعاية الأطفال في ضاحية قدسيا بعد نشوب الثورة، الذي تحول بموجب المرسوم رقم 2 لعام 2023 إلى هيئة تدعى الهيئة العامة لبيوت لحن الحياة، وتعنى بتقديم خدمات الرعاية الصحية والاجتماعية والنفسية والتعليمية والتربوية للأطفال مجهولي النسب.
عبر تتبع "العربي الجديد" لملف تجنيد المدني، أثبتت المعطيات أن إجبار مجهولي النسب والأيتام على قضاء الخدمة الإلزامية كان يتم بشكل ممنهج، رغم أن القانون يعفيهم من الخدمة خاصة اللقطاء، وفق ما نص عليه المرسوم التشريعي رقم 30 لعام 2007 في الفقرة (و) من المادة 12 التي حددت الفئات المستثناة وهي: "الابن الوحيد لوالديه أو لأحدهما سواء كان كلاهما أم أحدهما حيا أو ميتا أو اللقيط ومن في حكمه الذي أتي به من دار الايتام أو أية مؤسسة اجتماعية اخرى وعاش حتى بلوغه سن التكليف في كنف زوجين لا ينجبان وفقا لما يحدده النظام". كما يقول المحامي رامي النومان المدير التنفيذي لمنظمة العدالة من أجل السلام (حقوقية)، التي تعكف على جمع المعلومات في قضية إجبار الفئة هذه على التجنيد من خلال وثائق صادرة عن الفروع الأمنية ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.
و"إلى الآن وثقت المنظمة 200 حالة، في غالبيتها كانت لأطفال في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، وجرى التلاعب في أعمارهم لإرسالهم إلى الخدمة العسكرية"، يقول النومان، مضيفا أن من تم تجنيدهم بعضهم تعرضوا لانتهاكات متنوعة داخل قطعهم العسكرية وحتى اتُهموا بالتجسس لصالح الجهات المعارضة للنظام السوري الحاكم وقتها وتم سجنهم في سجون مثل عدرا وصيدنايا لفترات تراوحت بين عام إلى عامين، وبعد ثبوت براءتهم أُعيدوا للجيش مرة أخرى.
خارج القانون
ثمة مفارقات عديدة يرويها المدني، ففي المرة الأولى التي ذهب فيها إلى شعبة التجنيد أخبره المسؤول بأنه لن يذهب إلى خدمة العلم لأنه وحيد وليس لديه سوى شقيقته، قبل أن تتعقّد الأمور بتدخل مشرف يدعى ميزر من إدارة الدار، أصر على زجه في الخدمة، إلا أن المدني استفاد من المواد القانونية التي تمنح الطلاب حق التأجيل الدراسي، فبقي ملتزما بمقاعد الدراسة ليؤخر موعد التحاقه بالعسكرية، واستطاع تمديد تأجيله سبع مرات، حتى تمكن من السفر إلى لبنان هاربا.
أما أوراقه الرسمية فلم تُسلم له يوماً، وبقيت محفوظة لدى القسم الأمني في الدار، وتُستخدم فقط لأخذ البصمة لدى الحاجة إليها في الدوائر الحكومية ثم تُعاد إلى الإدارة، لكن بعد الثورة ومع انتشار الحواجز الأمنية للنظام، اضطر المدني لحمل هويته للمرة الأولى، فصدم بأن إدارة الدار غيرت كنيته من المدني إلى نور الدين، لكن لم يطاول هذا التزوير شقيقته، ما يؤكد فرضية أن التلاعب بالأسماء كان لخدمة هدف زجّهم في العسكرية ووفق روايته، نقلته إدارة الدار من الصف السابع وحتى التاسع مباشرة دون المرور بالصف الثامن، وبعد أن حصل على شهادة التعليم الأساسي، انتقل من الصف العاشر إلى الثالث الثانوي في عام 2015، مرجحاً أنهم تلاعبوا بعمره.
وتتقاطع إفادته مع شهادة المدير العام للهيئة العامة لبيوت لحن الحياة، معتصم السلومي، بأن النظام كان يستغل الأطفال الموجودين في الهيئة سواء كانوا من مجهولي النسب أو أبناء معتقلين، ويزج بهم في المعارك قبل أو بمجرد بلوغهم سن الخدمة العسكرية (18 عاما)، على الرغم من أن "القانون السوري يعامل مجهول النسب كالابن الوحيد، وبالتالي لا يخضع للخدمة العسكرية الإلزامية".
ومثل باقي المؤسسات السورية، فإن إدارة دار لحن الحياة، كانت تتجاهل القانون وترفع أسماء نزلاء للالتحاق بالخدمة العسكرية، دون الاهتمام بأوضاعهم الصحية حتى، كما يروي الناطق الرسمي باسم لجنة الأطفال المفقودين سامر القربي، لافتا إلى تشكيل فريق عمله بقرار من وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات في يوليو/تموز 2025.
وعلى ضوء تجربته يقول المدني بأنه ليس الضحية الوحيدة في الدار، ويؤكد أن ذلك كان نهجا متبعا، متحدثا عن 8 من أصدقائه جرى تجنيدهم رغم كونهم غير مؤهلين، ابتداء من كريم حسين، الذي أجبر على الخدمة العسكرية على الرغم من أنه يعاني من إعاقة في عينه وقدمه، وبدأت رحلته في دار زيد بن حارثة عام 1998، برفقة شقيقته ولا يعرف أي معلومة عن عائلته، وفي صيف عام 2014 تحديدا، مع انتقال أطفال الدار إلى مجمع لحن الحياة، خضعت هويته لأولى عمليات التلاعب حيث جرى تغيير كنيته لتصبح عبود لمدة عامين فقط، قبل أن تعيد الإدارة كنيته الأصلية، وهو الاسم الذي رافقه حتى نهاية خدمته العسكرية عام 2017.
وعن سوقه للخدمة العسكرية، يقول حسين أن مديرة الدار السابقة ندى الغبرة من أبلغته بذلك، ورغم اصطحابه إلى مشفى تشرين العسكري في منطقة برزة بدمشق، لم يتم منحه أي إعفاء مع أنه يعاني من إعاقة واضحة في عينه، ومثبتة في تقرير اللجنة الطبية الذي حصل عليه "العربي الجديد" وجاء فيه أنه يعاني من "حوَل شاقولي بنسبة 43% في عينه".
وبالرغم من استلام المشرف ورقة الإعفاء، لكن الإدارة اعترضت وأعادت إرساله مرة أخرى إلى المشفى برفقة مشرف آخر وهو ميزر الذي ورد اسمه في إفادة المدني كذلك، وبالطبع في المرة هذه لم يحصل على إعفاء، بعد تدخل الإدارة لدى رئيس شعبة التجنيد من أجل قبوله.
وجرى سوقه إلى معسكر الدريج التدريبي في ريف دمشق لمدة تزيد على شهر، ليخدم في ظروف إنسانية صعبة جداً هناك، وبعد ذلك، حان موعد فرزه إلى قطعته العسكرية في منطقة الشيباني، وفي تلك المرحلة، تعاطف معه العميد المسؤول عنه وهو معن سلمان وفق ما يذكر اسمه، ووعده بأنه سيسعى لتسريحه بسبب وضعه الصحي، وبالفعل أحاله إلى مشفى 601 العسكري في منطقة المزة، فاستغربت اللجنة الصحية من سوقه إلى الخدمة العسكرية، وتم تحويله إلى الخدمات بناء على التقرير الطبي الصادر عن المشفى، ليؤدى خدمته الإلزامية مدة عام ونصف عام في قسم الذاتية (مختص بالأعمال الإدارية في شعب التجنيد) ضمن القطعة العسكرية نفسها، مكلفا بأعمال التنظيف وتقديم المشروبات وغير ذلك.
وبعد انتهاء خدمته، عاد حسين إلى الدار، لكن الإدارة طالبته بالمغادرة كونه تجاوز السن القانونية لبقائه، فوقع وبصم على أوراق براءة ذمة، وطلب من الإدارة الحساب البنكي الخاص به، والذي تفتحه إدارة الدار للأطفال المودعين لديها في أحد المصارف العاملة في سورية، كونهم يتلقون تبرعات مالية، فرفضت الإدارة إعطاءه الدفتر البنكي الخاص به، بحجة الخوف عليه من إنفاق المال دون حساب، وبعد سقوط النظام، راجع إدارة الدار ليفاجأ بأن الحساب البنكي الخاص به مسجل باسم كريم عبود ولا يمكنه أن يستفيد منه، حتى إن المبلغ المالي الذي كان متوفراً فيه بلغ 36 ألف ليرة سورية أي ما يعادل 3 دولارات فقط.
ما دفعه إلى تقديم شكوى إلى رئاسة النيابة العامة في دمشق، يفصّل فيها ما حدث معه، مطالباً بالتعويض المناسب عن الضرر المادي والمعنوي الذي لحق به بسبب الانتهاكات المرتكبة ضده خلال فترة وجوده في الدار.
وتكررت الوقائع ذاتها مع حسين العلي وهو من فئة مجهولي النسب في بيوت لحن الحياة وكان برفقة كريم والمدني وسيق إلى الخدمة العسكرية رغم كونه يعاني تجلطات في القلب تفاقمت في أثناء خدمته بدرعا.
وسعى "العربي الجديد" إلى الوصول إلى ندى الغبرة دون جدوى، إذ أكدت جميع المصادر أنها مختفية تماماً عن الأنظار منذ خروجها من الحبس بعد سقوط النظام، ومن بينهم الموظف في الدار سابقا محمد كيلوح، الذي يعزو ذلك إلى خوفها من ذوي الأطفال، لا سيما المعتقلين، في حال ظهرت.
أطفال في ميادين القتال
لم تقف الانتهاكات بحق الشبان هؤلاء عند أي حدود، إذ تلاعبت إدارة دار لحن الحياة في أعمارهم. على سبيل المثال مواليد 2003 جرى تبديل أوراقهم ليصبحوا من تولد عام 1999، ويلائموا معيار سن الثامنة عشرة ومن ثم يلحقوا بالخدمة العسكرية في سن الطفولة، بحسب ما قالته وجد قدور نائبة رئيس مؤسسة أيلول للأعمال الإنسانية (متخصصة في دعم الفئات الهشة)، مشيرة إلى أنها رأت ذلك بوضوح في ملفات الأطفال، وحتى أن بعضها شطب تاريخ الميلاد الأصلي وكتب فوقه التاريخ الجديد دون أي اعتبار لمساءلة من أي نوع.
من أجل هذا وضعت لجنة الأطفال المفقودين ضمن أولوياتها الوصول إلى المجندين جراء انتهاكات إدارات دور الأيتام ومجهولي النسب التي ترعرعوا فيها، وكما يقول القربي فإن 90% من أصل 200 حالة ممن أجبروا على الخدمة هربوا إلى لبنان، بينما رصدت حالات أخرى في السودان أو مصر، وتواصلت اللجنة مع 15 شخصا منهم، فيما تمكنت من ربط 3 بعوائلهم مجددا. ومن خلال حديثه معهم يقول القربي أن فرارهم كان أفضل قرار في مواجهة الإجرام المنظم الذي استهدفهم.
ومن بين هؤلاء علاء رجوب، الذي دخل دار زيد بن حارثة عام 2008 أي حين كان في السابعة من عمره، بعدما أحضرته الشرطة نتيجة خلافات عائلية، رغم أنه كان يعيش في منزل جدته آنذاك، ثم نقل إلى مجمع لحن الحياة، في البداية ظل اسمه الحقيقي علاء دريد رجوب مثبتاً في سجلات المدرسة حتى الصف السادس، لكن مع انتقاله إلى الصف السابع، أصبحت له هوية جديدة حملت اسماً مختلفاً وهو علاء ناصيف، وفق ما يظهر في خطاب رقم 259 وجهته إدارة مجمع لحن الحياة إلى مدرسته بتاريخ 4 ديسمبر/كانون الأول 2017، وهذا التغيير في الهوية ترافق مع وعود الإدارة بتسليمه أوراقه لاحقاً عند مغادرة الدار، لكن تلك الوعود لم تتحقق.
في عام 2019، تقدّم إلى امتحان الشهادة الثانوية للمرة الأولى، ولم ينجح في اجتيازها، وفي تلك الفترة، ذهب لمراجعة شعبة التجنيد، وبالآلية نفسها، لم ينل الإعفاء تحت ضغوط إدارة الدار، لاحقاً، ومع انتشار جائحة كورونا، صدرت تعليمات تمنع إعفاء مجهولي النسب نهائياً، ليغلق الباب أمام أي محاولة لتسوية وضعه.
ومع بلوغه سن العشرين، اقترب موعد سوقه إلى الخدمة العسكرية الذي كان مقرراً في 15 مارس/آذار من عام 2021، فقرر مغادرة الدار وهرب إلى لبنان عن طريق المعابر غير الشرعية، دون أن يتمكن من الحصول على أوراقه الثبوتية أو دفتر الخدمة العسكرية، وكل ذلك في سبيل الخلاص من شبح التجنيد. لكن حتى بعد سقوط النظام، لم تُحل المعضلة الأساسية، إذ بقي هو وأقرانه بلا وثائق رسمية، ما جعلهم يعيشون معاناة مضاعفة.
ويشير السلومي إلى أن الإدارة الجديدة وصلت إلى الدار ووجدت إرثاً من الفساد وتغيير الأنساب الموثق لدى دوائر النفوس، لذلك، لا يمكن للإدارة الجديدة أن تقوم بأي تصحيح ما لم يقم هؤلاء الأطفال الذين أصبحوا بالغين الآن برفع دعاوى من خلال محامين لإثبات أنسابهم، ويكون ذلك عن طريق القضاء.
لكن بينما تمكن المدني ورجوب من الإفلات من التجنيد، فشل مئات غيرهما، منهم من قتل أو أصيب وفي أحسن الظروف تعرض لتنكيل ممنهج بعد إلحاقه قسرا بالخدمة العسكرية من بوابة دور الرعاية التي كانت مفتوحة على مصراعيها وصولا إلى الثكنات العسكرية، ومن بين هؤلاء مازن ياسين، البالغ من العمر اليوم 21 عاما، وانتقل من دار زيد بن حارثة إلى دار لحن الحياة قبل اندلاع الثورة، ولم يكن وضعه الصحي يسمح بإلحاقه بالخدمة العسكرية عند بلوغه الثامنة عشرة، لكن أحد العاملين في الدار، ويدعى جان تولى مراسلة شعبة التجنيد، ليُساق بعد شهر واحد من بدء الإجراءات إلى الخدمة العسكرية، دون أن يخضع لأي فحص طبي، فاُلحق بالفرقة العاشرة في مدينة قطنا بمحافظة ريف دمشق عام 2023، وهناك واجه مختلف أشكال الإذلال كونه نشأ في دار لمجهولي النسب، وبقي في الخدمة حتى سقوط نظام بشار الأسد، ليعود محطما إلى الدار بعدها.
ويدخل ما سبق من "انتهاكات تكشفت بعد سقوط النظام في سلسلة من الجرائم الوحشية الممنهجة"، بحسب ما يقوله فيصل حمود، مدير منظمة بيت الطفل (سورية غير حكومية، تعنى برعاية الأطفال المفصولين وغير المصحوبين)، مؤكدا العمل على تصنيف الوقائع السابقة بالتعاون مع قانونيين وحقوقيين وخبراء من الأمم المتحدة، مشيرا إلى أنه لم يكن من المفاجئ أن اعتُبرت بعض الحالات السالفة ضمن جرائم الحرب.
يتابع حمود أنه التقى بـ 40 شاباً زجوا في الجيش من دار لحن الحياة، وأوضحوا له أنهم أُجبروا على القتال في صفوف النظام على الجبهات الشمالية في إدلب وريف حلب، بعد أن أبلغتهم ندى الغبرة بضرورة التوجه لشعبة التجنيد بحجة أن "الوطن ربّاهم" وعليهم خدمته، وإذا رفض أحدهم كانت تهدده بالمخابرات حتى يخضع.
وفي حال لم يذهب أحدهم في الموعد المحدد، كانت إدارة الدار تتواصل مع الأفرع العسكرية ليأتي عناصر يأخذونه مباشرة من داخل الدار، وحتى في الإجازات كانت الشرطة العسكرية تلقي القبض عليهم إن لم يعودوا فوراً، مبيناً أن هؤلاء الأطفال لم يكن لديهم مأوى آخر، فاضطر معظمهم للالتحاق بالخدمة، ولاحقاً هرب من هرب إلى لبنان خوفاً من الملاحقة أو الاعتقال، والجيد أن بعضهم عاد فور سقوط النظام.
اتجار دولي في الأيتام ومجهولي النسب
لم تقتصر مسارات استغلال مجهولي النسب والأيتام على سوقهم إلى الخدمة العسكرية النظامية، بل امتدت وفق معطيات وشهادات متقاطعة وثقتها معدة التحقيق إلى إعادة توجيه هؤلاء إلى ساحات قتال متعددة. كما في حالة سعد محمد (اسم مستعار حفاظا على حياته إذ يعمل في لبنان حاليا)، إلى جانب وائل الذي نكتفي بذكر اسمه الأول لتعذر التواصل معه، وخدم كلاهما ضمن صفوف مليشيا حزب الله اللبناني، بحسب التفاصيل التي توردها قدور.
وتشير إلى أن الأجهزة الأمنية للنظام المخلوع كانت ترسل بعض الشبان بعقود إلى العراق أو لبنان للقتال مع مليشيات طائفية، من بينها الحشد الشعبي في العراق، مع وجود شهادات عن حالات أخرى في إيران وروسيا أيضا وجار العمل على التحقق منها.
هذا الامتداد الخارجي للظاهرة، لم يكن معزولا عن آليات استقطاب داخلية اتسمت بالتضليل، إذ يوضح المدني أن إدارة الدار كانت تلجأ إلى إغراء بعض الشبان لإقناعهم بالالتحاق بخدمة العلم، مستغلة تطلعاتهم الشخصية، ويضرب مثالا بحالة صديقه فراس أحمد، الذي كان شغوفا بكرة القدم، فتلاعبوا به ووعدوه بأنه إذا انضم إلى الخدمة العسكرية يمكن أن يلتحق بنادي الجيش، إلا أن الحال انتهى به إلى جبهات درعا بدلا من ذلك.
وبالآلية ذاتها، وقع كل من سعد محمد ووائل ضحية ما يصفه المدني بعملية أدلجة ممنهجة، انتهت بانضمامهما إلى صفوف المجموعات التابعة لمليشيا حزب الله اللبناني، مؤكدا أن العمليات هذه لم تكن عفوية، بل جرت عبر شبكة من موظفين سابقين في الدار، "لم يحاسبهم أحد حتى اليوم وما زلت أذكر أسماءهم جيدا".