حراس البوابات... شبكات صومالية تنهب المساعدات والمنح الدولية

24 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 13:27 (توقيت القدس)
يكابد النازحون الصوماليون مساومات شبكات توزيع المساعدات (أبو بكر محيي الدين/ الأناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تعاني الصومال من سوء إدارة المساعدات الدولية بسبب شبكات الفساد المعروفة بـ"حراس البوابات"، مما يحول جزءاً كبيراً من المساعدات بعيداً عن المستفيدين الحقيقيين، ويزيد من معاناة النازحين.

- شهدت الصومال تراجعاً في التمويل الدولي نتيجة مخاوف المانحين من عدم وصول المساعدات إلى المستفيدين، مثل تعليق الولايات المتحدة مساعداتها بعد اكتشاف استيلاء مسؤولين حكوميين على مساعدات غذائية.

- تعاني الحكومة الصومالية من ضعف في آليات الرقابة والمساءلة، مما يؤدي إلى تبديد المنح الدولية في مصروفات غير ضرورية، ويثير تساؤلات حول قدرة الجهات المعنية على ضمان وصول الدعم إلى المستحقين.

لا يعد الجوع في الصومال قدراً محتوماً، إذ تتلقى البلاد مساعدات ومنحاً دولية يمكن أن تخفف من أزماتها المتتالية لو حظيت بإدارة فاعلة وحوكمة رشيدة، غير أن غيابهما أسفر عن نشاط شبكات الفساد المعروفة بـ"حراس البوابات".

- تحت شمس مقديشو اللاهبة، يعيش النازحون الصوماليون معاناة مستمرة من شح الغذاء، والنقص الحاد في مياه الشرب النظيفة. ورغم تدفق المساعدات الإنسانية الدولية إلى البلاد سنوياً، فإن "ما يصل منها كاملاً إلى المعوزين يقتصر على الوعود"، كما تقول الستينية حليمة عبدي حسن، التي تعيش في خيمة من البلاستيك الممزق بتجمع في حي دينيلي (Daynile)، انطلاقاً من تجربتها بعد الحصول على "بطاقة هوية المستفيد"، إذ كان يفترض بموجبها أن تحصل وبقية قاطني المخيم، الواقع في ضواحي العاصمة، على دفعات مالية بقيمة 200 دولار تستمر لمدة 6 أشهر، إلا أن ما وصلها بالفعل عبر إدارة المخيم كان حوالة مالية لثلاثة أشهر فقط أي 600 دولار، رغم تأكيد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في تقريرها الصادر نهاية عام 2020 بعنوان "مقديشو: منطقة الأوجاع"، أن هذه المساعدات النقدية تقدم لمدة ستة أشهر، بواقع 200 دولار شهرياً لكل عائلة مكونة من خمسة أفراد، ممن شملهم برنامج العودة الطوعية إلى الصومال.

وتأكيداً لما سبق، جاء تقرير غير منشور صدر عن الأمم المتحدة في عام 2023، ليفسر حقيقة ما وقع لحليمة وأقرانها، إذ "وثق شكاوى تفيد بأن بعض المستفيدين أُجبروا على دفع ما يصل إلى نصف المساعدات النقدية التي يحصلون عليها"، بناء على تحقيق أجرته المنظمة الأممية بمعية شركة تدقيق مستقلة، شمل عينة من 55 مخيماً للنازحين داخلياً، بحسب ما توثقه دراسة حديثة صدرت في فبراير/شباط 2026 عن مركز U4 لمكافحة الفساد (غير حكومي تأسس بالنرويج في عام 2002)، بعنوان "تحويل المساعدات والفساد في الصومال Aid Diversion and Corruption in Somalia".

وبناء على ذلك توصلت الدراسة إلى أن المستفيدين يخضعون لمساومات من قبل القائمين على عمليات توزيع المساعدات في مخيمات النزوح، حيث يشترطون اقتطاع حصة من المساعدات النقدية أو العينية مقابل منح الباقي إلى النازحين، ولذا تقول حسن لـ"العربي الجديد" في مقابلة مصورة: "ماذا نفعل؟ لا يوجد أمامنا أي حل، في ظل الأوضاع البائسة والمتشابهة في مختلف المخيمات نتيجة التلاعب بالمساعدات النقدية والعينية".

الأوضاع البائسة متشابهة في مختلف المخيمات

حراس البوابات

بلغ إجمالي التمويل المقدم إلى الصومال في إطار خطة الاستجابة للاحتياجات الإنسانية، مليارين و932 مليوناً و338 ألف دولار أميركي خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وفق بيانات مكتب خدمات تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة. ومن بينها 537.3 مليون دولار قدمت عام 2025، بحسب مستشار الشؤون المالية في الحكومة الفيدرالية الصومالية عبد الله أبو بكر، مشيراً إلى أن المساعدات انخفضت خلال العام الماضي إلى النصف مقارنة بعامي 2023 و2024.

الصورة
شكاوى تفيد بأن بعض المستفيدين أُجبروا على دفع ما يصل إلى نصف المساعدات النقدية التي يحصلون عليها
على الرغم من حصولهم على بطاقة هوية المستفيد يجبر "حراس البوابات" النازحين على منحهم نصف المساعدات النقدية (العربي الجديد)

ويُعزى تراجع التمويل إلى تزايد مخاوف المانحين من عدم وصول المساعدات للمستفيدين، إذ علقت الولايات المتحدة مساعداتها على خلفية "استيلاء مسؤولين في الحكومة الفيدرالية الصومالية بشكل غير قانوني على 76 طناً مترياً من المساعدات الغذائية الممولة من جهات مانحة والمخصصة للصوماليين الأكثر ضعفاً"، وفق بيان صادر عن الإدارة الأميركية في يناير/كانون الثاني 2026.

الصورة
ضعف الرقابة والشفافية الحكومية يبدد أموال المساعدات الدولية
ضعف الرقابة والشفافية الحكومية يبدد أموال المساعدات الدولية (Getty)

لكن كيف تجري عمليات التلاعب بالمساعدات المقدمة للصومال؟ يجيب محافظ إقليم بنادر وعمدة مقديشو السابق، يوسف حسين جمعالي، بالاستناد إلى تجربة ميدانية وقعت في بداية عام 2024 بأحد مخيمات النازحين في ضواحي مقديشو، قائلاً: "تأكدنا من توزيع ما بين 30 إلى 40 كيلوغراماً من المواد الغذائية للأسرة المكونة من 5 أو 6 أفراد ولمدة شهر كامل، خلافاً لادعاء الفرق المعنية بالعملية أنها وزعت ما بين 60 و70 كيلوغراماً لكل أسرة، بما يعني نهب نصف المساعدات".

"هذه الواقعة مجرد نموذج على حجم الثغرات التي تشوب عمليات توزيع المساعدات داخل مخيمات النزوح" وفق ما شاهده جمعالي، قائلاً لـ"العربي الجديد" إن شبكة مترابطة من الفاعلين يطلق عليها اصطلاحاً "حراس البوابات"، تُسرب جزءاً من المساعدات يصل في كثير من الأحيان إلى نصفها. ويستخدم مصطلح حراس البوابة لوصف الشخصيات الوسيطة بين وكالات الإغاثة والمستفيدين، وتضم هذه الشبكة مديري المخيمات، ومسؤولي الحكومات المحلية، والعاملين في المجال الإنساني، وفق جمعالي، الذي لفت إلى ارتباط هؤلاء بالقبائل المحلية التي تشارك في إدارة مخيمات النازحين، حث يسعى جميعهم إلى حصص غير قانونية من المشاريع الإغاثية والموارد الغذائية.

ثغرات تشوب عمليات توزيع المساعدات

وبلغ التطبيع مع الظاهرة حد أن يطالب القائمون على مخيمات النازحين المؤسسات والمنظمات الإغاثية بما يصل إلى 20% من المبالغ النقدية أو القسائم المستحقة للمستفيدين أرباحاً لهم، كما تذهب 10% مدفوعات للموظفين من السلطة المحلية أو المنظمات غير الحكومية، و10% لتغطية تكاليف الإيجار، وفق تقرير تحويل المساعدات والفساد في الصومال.

علاوة على ما سبق، تورطت مجموعة من الجهات الفاعلة في ممارسات نهب المساعدات، فعلى سبيل المثال، أُلقي القبض على رئيس بلدية مقاطعة بولوبورتي وسط الصومال، بتهمة تحويل مساعدات غذائية لصالحه عام 2015. بينما في عام 2020 ألقت الشرطة القبض على أكثر من 20 مسؤولاً في وزارتي العمل والصحة للاشتباه في اختلاسهم أموالاً من المساعدات كانت مخصصة لمرفق حجر صحي لمرضى فيروس كورونا في مقديشو، وحُكم على أربعة منهم بالسجن لمدة تصل إلى 18 عاماً، وفي عام 2024، جرى القبض على عناصر من الجيش الوطني الصومالي للاشتباه في سرقتهم حصصاً غذائية، حسب المصدر السابق.

تكمن المشكلة هنا في آليات الصرف وإدارة أموال المساعدات الدولية، كما يقول الدكتور يحيى شيخ عامر، أستاذ الاقتصاد في الجامعة الوطنية الصومالية، مضيفاً لـ"العربي الجديد" أن الحكومة تفتقر إلى آليات رقابية واضحة، فضلاً عن غياب أنظمة إدارية محكمة وإجراءات للمحاسبة والمساءلة، لذا نجد أن المتورطين بالتلاعب في المساعدات يتمادون أكثر في النهب وحرمان المستحقين منها.

تبديد أموال المنح الأجنبية

تلقت الحكومة الفيدرالية ملياراً و58 مليون دولار منحاً أجنبية لعامي 2024 و2025، وفق تقرير تدقيق البيانات المالية السنوية للسنة المالية المنتهية في 31 ديسمبر/كانون الأول 2025، والصادر عن مكتب المدقق العام لجمهورية الصومال (أعلى هيئة رقابية في البلاد) في 30 يونيو/حزيران الماضي.

ترفد المنح الدولية خزينة الدولة الصومالية بنسبة تصل إلى 60% من الموازنة

وترفد هذه المنح خزينة الدولة بنسبة تتراوح بين 56 و60%، من الموازنة السنوية، لكن جزءاً منها يُبدد في مصروفات ونثريات هامشية، بينما يواجه 5.6 ملايين مواطن مستويات عالية من الجوع. ومن بين الوقائع ذات الدلالة، "تحويل 50 ألف دولار لأحد المحال التجارية ثمن مواد غذائية لأفراد حراسة وزير المالية السابق علمي محمود نور، خلال شهر واحد فقط"، وفق مستند مالي (أمر صرف) صادر عن الوزارة في مارس/آذار 2023، وفي 16 يناير 2025، وجه وزير المالية بالحكومة الفيدرالية، بيحي إيمان عيجه، مذكرة إلى البنك المركزي، تضمّنت تقديم مبلغ 328 ألف دولار، لتغطية نفقات سفر رئيس الجمهورية إلى خارج البلاد.

الصورة
صرف 328 ألف دولار، لتغطية نفقات سفر رئيس الجمهورية إلى خارج البلاد، وإنفاق 50 ألف دولار ثمن مواد غذائية لأفراد حراسة وزير المالية السابق، لمدة شهر واحد
مستندات صرف 328 ألف دولار، لتغطية نفقات سفر رئيس الجمهورية إلى خارج البلاد، وإنفاق 50 ألف دولار ثمن مواد غذائية لأفراد حراسة وزير المالية السابق، لمدة شهر واحد (فيسبوك)

وبمقارنة الإنفاق على تكاليف السفر والاجتماعات خلال خمس سنوات يتضح أنه "ارتفع من 6 ملايين دولار في عام 2020، فبلغ 16 مليون دولار خلال عام 2024، ثم 20 مليوناً في العام الماضي"، وفق تقرير تدقيق البيانات المالية السنوية للحكومة الفيدرالية للسنة المالية 2025، فيما تؤكد نسخة التقرير نفسه الصادرة في العام السابق عجز المدققين عن التحقق من مصير 153 مليوناً و810 آلاف دولار، ضمن نفقات المنافع الاجتماعية في إطار مشروع Baxnaano التابع لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية، والممول من البنك الدولي لتقديم مساعدات نقدية أو عينية للأسر الأكثر ضعفاً عبر برنامج الأغذية العالمي، و"خلال عملية التحقق طالب فريق التدقيق وزارتي العمل والمالية بتزويده ببيانات المستفيدين، لكنهم أبلغوا بأن برنامج الأغذية العالمي، أهمل تقديم سجلات المستفيدين"، وهنا عاد معد التحقيق إلى وزارة العمل للاستفسار عن سبب عدم توفر البيانات غير أنها لم ترد على الأسئلة.

الصورة
مصير غامض لـ153 مليوناً و810 آلاف دولار، بسبب غياب سجلات المستفيدين من نفقات المنافع الاجتماعية
مصير غامض لـ153 مليوناً و810 آلاف دولار من نفقات المنافع الاجتماعية بسبب غياب سجلات المستفيدين (تقرير مكتب المدقق العام لجمهورية الصومال لسنة 2024)

في المحصلة يكشف العجز عن إدارة الأموال المقدمة إلى البلاد أو التحقق من مآلاتها، عن خلل مقلق في منظومة الشفافية والمساءلة، ويطرح تساؤلات جدية حول قدرة الجهات المعنية على تتبّع مسار الإنفاق العام، والتأكد من وصول الدعم والمنح الدولية إلى المستحقين، كما يقول موسى أحمد عيسى، نائب المحامي العام للدولة في الصومال، وأستاذ القانون في الجامعة الوطنية، مضيفاً لـ"العربي الجديد" أن هذا المبلغ الكبير لا يمكن التعامل معه دون مستويات صارمة من التدقيق والرقابة.

اعتراف رسمي

يعاني النازحون ظروفاً معيشية شديدة القسوة في المخيمات، إذ ينامون في العراء، ويكابدون شظف العيش والجوع والعطش، كما يقول جمعالي، مشيراً إلى وجود أكثر من 1.8 مليون طفل يواجهون سوء تغذية حاد، وفق تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي الصادر عن الأمم المتحدة في 14 فبراير 2026.

الصورة
يواجه 5.6 ملايين مواطن صومالي مستويات عالية من الجوع، أكثر من 1.8 مليون طفل يواجهون سوء تغذية حاداً
يواجه 5.6 ملايين مواطن صومالي مستويات عالية من الجوع، وأكثر من 1.8 مليون طفل يعانون سوء تغذية حاداً (العربي الجديد)

ويقرّ نائب الرئيس السابق للهيئة الوطنية للاجئين والنازحين (حكومية)، محمد أمين عبد الله عثمان، بوجود شبهات فساد واختلاس رافقت عمليات توزيع المساعدات الإنسانية خلال السنوات الماضية، قائلاً: "المشكلة لا تعود بالضرورة إلى المنظمات الدولية، بما فيها برنامج الأغذية العالمي، بل إلى الوسطاء والوكلاء المحليين المكلفين بعمليات التوزيع، في ظل صعوبة وصول بعض الوكالات إلى المناطق المتضررة، بسبب البعد الجغرافي وتدهور الأوضاع الأمنية".

جهات فاعلة تبيع المساعدات لصالحها

وضمن ممارسات النهب الموثقة، "يستغل بعض الوسطاء حاجات النازحين ويدفعون مبالغ رمزية لهم، مقابل تصويرهم أثناء عملية مفبركة لتوزيع للمساعدات"، كما يقول عثمان لـ"العربي الجديد"، مضيفًا: "بعض الجهات الفاعلة تجمع تلك المساعدات ومن ثم تبيعها لاحقًا". ويتقاطع ما ذكره مع عمليات الرصد التي أُجريت في سياق تقرير الأمم المتحدة الصادر في عام 2023 والمشار إليه آنفًا، إذ تم توثيق بيع إمدادات غذائية مقدمة من منظمة يونيسف في 17 سوقًا من أصل 51 سوقًا محلية.

وللتثبت من توقف تلك العملية أو استمرارها، تجول معد التحقيق في سوق بكارة، الأكبر في مقديشو، فوثق بالصور سلعًا تحمل بوضوح علامات تشير إلى أنها مخصصة للمساعدات الإنسانية، فيما تعود مصادر بعضها إلى برنامج الغذاء العالمي والوكالة الأميركية للتنمية الدولية.

الصورة
بيع إمدادات غذائية مخصصة للمساعدات الإنسانية في سوق بكارة الأكبر في مقديشو
بيع إمدادات غذائية مخصصة للمساعدات الإنسانية في سوق بكارة بمقديشو (العربي الجديد)

وفي الوقت الذي تباع فيه المساعدات، يفتقر النازحون إلى أبسط متطلبات البقاء على قيد الحياة ويتضورون جوعًا، تقول حليمة، مضيفة أنه على الأقل كان يمكن أن يؤدي تقليص نهب المساعدات والتأكد من وصولها إلى مستحقيها إلى الحد من ظاهرة موت الأطفال من جراء سوء التغذية.