قمة الخوف... محاولة لتفسير الجمود العربي 

18 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 22:09 (توقيت القدس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعاني العالم العربي من جمود في مواجهة إسرائيل بسبب "الخوف المثبط"، مما يمنع استخدام أدوات الضغط رغم التهديدات الإسرائيلية، ويعزز التبعية للولايات المتحدة وإسرائيل بدلاً من السعي نحو الاستقلال.

- التصور السائد في العقل العربي متأثر بتاريخ استعماري طويل، حيث استبدلت الهيمنة الإنجليزية والفرنسية بالهيمنة الأمريكية، مما يعزز فكرة عدم مقاومة القوى الكبرى رغم النجاحات العربية السابقة.

- النظام العربي يعاني من خوف متجذر يورث جيلاً بعد جيل، مما يؤدي إلى الانكفاء والقبول بخسارة الأرض والموارد، ويعكس عدم القدرة على بناء دول ديمقراطية حقيقية.

ما سر حالة الجمود والركود بل والرقود العربي في مواجهة إسرائيل؟ والحديث هنا ليس عن خوض غمار حرب جديدة، فالجميع حكاما ومحكومين يعرفون حقيقة "البير وغطاه"، وإنما يتقصد البحث في  مقاربة تأثير "الخوف المثبط" على العلاقات الدولية العربية، في محاولة لتقديم توصيف دقيق لأسباب هذه الحالة الرسمية المتجاهلة كلَّ أفكار ومقترحات تفعيل أدوات ضغط اقتصادية وسياسية وقانونية ودبلوماسية، ينادي بها منذ عامين معلقون ومحللون لا ينتمون فحسب إلى الدول الموصوفة بالممانعة أو القريبة من المقاومة، بل حتى يأتي بعضهم من تلك المصنفة بالاعتدال والقريبة من واشنطن وإسرائيل التي تسود حالة من التغافل عن خطر تمددها في سماوات الإقليم وعلى أرض فلسطين ولبنان وسورية والتهديدات المتوالية للأمن القومي، لا لمن وقع اتفاقية سلام معها فحسب، (الأردن ومصر)، ولكن لدول تبعد نظريا عنها ولم تدخل في حروب معها ويفترض أنها أقرب حلفاء الولايات المتحدة ربيبتها، مثل قطر التي قصفتها دولة الاحتلال، والسعودية التي طاولت أرضها أراجيف ما يوصف بـ"إسرائيل الكبرى"، والعراق الذي سبق أن دمرت مشروعه النووي ثم قصفته مرات عديدة خلال الأعوام الماضية ضمن حربها على الإقليم.

"الحكم على الشيء فرع عن تصوره" هكذا تقول القاعدة الأصولية، والتصور السائد في العقل الجمعي العربي الحاكم هو أن أميركا وإسرائيل كليتا القدرة لا راد لقضائهما أو تمتلكان 99% من أوراق اللعبة بتعبير الرئيس أنور السادات، وهو تفكير موروث من عقابيل التاريخ الاستعماري الذي عاشته منطقتنا، إذ ثمة ندوب تاريخية في الحمض النووي للذهنية السائدة، فكان أن استبدلت الهيمنة الإنكليزية - الفرنسية بالأميركية، لا سيما أن إهمالا وفشلا متعاضدين أديا إلى هزائم عربية مذلة في حربي 1948 و1967 وما تلاهما من اجتياح بيروت وعمليات الاغتيال المتعددة وكلها وظفت لترويج سرديات "اليد الطولى"، بينما يتم التعامي عن إخفاقات عديدة للحليفين، على سبيل المثال لا الحصر، الفشل الأميركي في غزو كوبا وفيتنام، والخسائر الضخمة في حرب أفغانستان، وهذه دول أصرت على خوض صراعات غير متكافئة ودفعت أثمانا باهظة في مقابل امتلاك قرارها الوطني وسرديتها المحلية، أما عربيا، فقد نجحت مصر في مباغتة إسرائيل في حرب 1973 وكبدتها خسائر فادحة تكررت على يد المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر 2023، لكن على العكس من الحالات السابقة، لم نتحرك باتجاه القطع التام مع الهيمنة الخارجية ورضينا بها دينا.

والحال كذلك فالعامل المشترك بين لحظات النجاح في تلك المواجهات كلها هو ما يمكن أن نسميه بـ"الخوف المنتج"، بمعنى إدراك التهديد وتقييمه بدقة ومن ثم الاستثمار في بناء القوة والمبادرة تحفيزا للابتكار العسكري والتكنولوجي، ولنا في ذلك نجاحات يعتد بها مثل هدم خط بارليف بمدافع مائية بعدما روج الإسرائيليون أنه لا يمكن نقضه أنكاثا إلا باستخدام قنبلة نووية، أو قرار حظر تصدير النفط للدول الداعمة لإسرائيل في حرب أكتوبر 1973، فكان أن أرغمت الدول العربية بريطانيا وفرنسا على الحياد ورفض استخدام مطاراتهما لنقل العتاد العسكري إلى تل أبيب، وتسببت في رجة أميركية داخلية، إذ خسرت سوق الأوراق المالية 97 مليار دولار ووصلت الأزمة إلى كل بيت بعد تكدس طوابير السيارات أمام محطات الوقود، لكن تبقى تلك الحالات إشراقات فردية وليست عملية متواصلة من البناء تحقيقا لهدف الاستقلال الكامل وامتلاك القرار الوطني، وربما كان الموقف هذا آخر الأفعال العربية التضامنية المشتركة ومن بعدها تبحث الشعوب العربية عن مثيله، خاصة في ظل حرب أميركية على المنطقة دمرت العراق ومنحته على طبق من فضة لإيران وشراكة مع إسرائيل لتدمير الشعب الفلسطيني، وقصف وقتل شعوب الإقليم منعا لأي محاولة لاستعادة حق أو امتلاك أدوات القوة (البرنامج النووي الإيراني)، فما السر وراء الانكماش العربي على الذات؟

إنه "الخوف المثبط" أو "المجمد"، فشعور الخوف يمكنه الانتقال من مستوى الفرد إلى الدولة، كما يرى هانز مورغنثاو، مؤلف كتاب السياسة بين الأمم، وأحد المساهمين البارزين في نظريات العلاقات الدولية، وبينما يسعى الأفراد إلى السيطرة على بعضهم مدفوعين بالخوف والكراهية، تعمل الدول ذات السيادة بإمكاناتها المتاحة للوصول إلى لحظة الهيمنة، بداية من السيوف وحتى الأسلحة النووية، وهذه أدوات غائبة عنا، إذ بغير القوة العسكرية والاقتصادية لا يمكن للدول التغلب على مخاوفها، فتنتشر داخلها سرديات الإحجام والضعف، ويروجها فاعلون رسميون وشبه رسميون أو من يمكن وصفهم بـ"محفزي الخوف"، الذين يحاصرون الجمهور بما يؤدي إلى شلل في التفكير وندرة في الخيارات المتاحة، فإما الحرب أو الرضوخ، فلا غالب اليوم لإسرائيل أو أميركا، طيب إن سلمنا لكم بهذا فهل يمكن أن نبني دولا حقيقية تقوم على الديمقراطية والحريات وحكم القانون؟ لا، لأن المطلوب هو الارتهان والتبعية ليتزايد حجم المنتفعين من "عوائد الخوف"، التي تستثمر فيها نخب عسكرية وسياسية واقتصادية، مصالحهم تتأتى من رواج وانتشار سردية عدم القدرة على دفع كلفة امتلاك الإرادة والقرار المستقل، بينما يزدرون شعوبهم وتاريخهم، ويغرمون دولهم ثمن التراجع وعدم الإقدام والمخاوف الحقيقية والوهمية، حتى صار الأمن القومي على كف عفريت (سد النهضة في مصر أو التمدد الإسرائيلي على حساب الإقليم).

لا شك أن النظام الرسمي العربي اليوم في قمة الخوف، ويبدو هذا جليا في تسرب الجمود إلى وعي الفاعلين السياسيين وتوريثه جيلا بعد جيل، إلى أن أصبح مكونا رئيسيا في العقل الباطن، انتظارا لماذا، لا أحد يعلم، وفي الإبان تبث الإبادة الجارية للشعب الفلسطيني على الهواء، دون أي رد فعل على قتل 100 نفس من الجوعى يوميا، وهو ما يعود إلى أن رؤية من بيدهم الأمر لما يبدو عليه العالم من وجهة نظرهم، هي التي تحدد نمط سلوكهم، وخيارهم هنا هو المزيد من الانكفاء على الذات والانسحاق أمام القوي دون أي استعداد لتحقيق "توازن القوى"، ما يعني أن ما ينتظرنا هو القبول بخسارة أرضنا ومواردنا وإلا فالعنف العاري والنهب والإبادة في انتظار من لم يصبه الدور بعد.