التعليم في الأغوار... مدارس التحدي تواجه عدوان الاحتلال ومستوطنيه

04 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 18:48 (توقيت القدس)
طلاب يتلقون التعليم في خربة "إبزيق" بعمق الأغوار الشمالية (عزمي بلاونة)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تعرضت مدرسة "إبزيق" في الأغوار الشمالية لاعتداء من قبل جنود الاحتلال الإسرائيلي، مما أدى إلى تخريب المرافق ومصادرة الأدوات التعليمية، وأجبر الطلاب على الدراسة في الهواء الطلق.
- تواجه مدارس الأغوار تحديات أمنية ولوجستية، حيث تعيق الحواجز العسكرية وصول المعلمين والطلاب، مما يؤثر على التحصيل الدراسي والحالة النفسية للطلاب.
- دعت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية المؤسسات الدولية لحماية المدارس الفلسطينية ووقف الانتهاكات، مؤكدة أن هذه الاعتداءات تهدف إلى تفريغ المناطق الفلسطينية من سكانها.

تلقّى نحو 15 طالباً وطالبة، الأربعاء، دروسهم في الهواء الطلق في خربة "إبزيق" في عمق الأغوار الشمالية الفلسطينية بالضفة الغربية. لم يكن ذلك حباً للطبيعة أو استغلالاً للأجواء المشمسة بعد أيام من المنخفضات الجوية، بل لأن جنود الاحتلال الإسرائيلي اقتحموا فجر اليوم مدرستهم وخربوا مرافقها، وصادروا أدوات ومستلزمات تعليمية ومواد كانت بداخلها. ولم يكتف جنود الاحتلال بذلك، بل عمدوا إلى تخريب شبكات المياه والكهرباء وقطع أسلاك الإنترنت، ما أدى إلى تعطيل العملية التعليمية وإلحاق أضرار واسعة بمرافق المدرسة.

اعتداءات متكررة في الأغوار

يقول مدير التربية والتعليم في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، التي تتبع لها مدرسة "ابزيق"، عزمي بلاونة: "هذا الاعتداء هو الثاني خلال فترة وجيزة، ما يدل دون أدنى شك على محاربة الاحتلال للوجود الفلسطيني برمته في الأغوار ومحاولة دفع الأهالي للهجرة وترك أراضيهم".

ويضيف بلاونة في حديث لـ"العربي الجديد": "التعليم هو أحد أبرز أدوات بقاء الفلسطيني هنا، في هذه البقعة البعيدة عن ضوضاء المدينة يصر الكادر التعليمي على الوصول للخربة رغم كل المعيقات، فيما تجد روح التحدي أيضا لدى الطلبة، وأكبرهم لا يتجاوز الخامسة عشرة، على العلم والتعلم، مدعومين من عائلاتهم التي هي شريكة أيضاً في إنجاح المسيرة التعليمية في كافة مدارس التحدي المنتشرة في الأغوار والمناطق المهددة بالاستيلاء والاستيطان في الضفة الغربية بما فيها القدس وضواحيها". 

ويشكل وجود مدرسة في مكان مثل خربة إبزيق رسالة واضحة للاحتلال بأن الفلسطيني لن يترك أرضه، وأن الجيل الصغير يسير على درب الكبار في الصمود والتحدي، يؤكد بلاونة. وهو  ما عبّر عنه أيضا الطالب يوسف مساعيد (13 عاماً)، الذي كان يجلس على صخرة صغيرة في السهل القريب من المدرسة. ويقول مساعيد: "صحيح أن الجلوس على مقاعد الدراسة يسهل علينا تلقي المعلومات وتدوينها على الدفتر، لكن الاحتلال عمل على تخريب صفي والصفوف الأخرى، فكان لا بد من تجاوز ذلك والاستمرار في التعلم".

استهداف مدارس في الأغوار 

وجاء الاعتداء على مدرسة "إبزيق" اليوم الأربعاء، بعد ثلاثة أيام فقط على الهجوم الذي شنه مستوطنون صباح الأحد الماضي على مدرسة خربة "المالح" في الأغوار الشمالية الفلسطينية بالضفة الغربية، التي تخدم المضارب البدوية في الأغوار الشمالية، خاصة تجمعات وخرب الحديدية، ومكحول، وسمرة، والمالح، وعين الحلوة.

وسبق أن أعاقت قوات الاحتلال مرور المعلمين إلى مدارس الأغوار عبر الحواجز العسكرية المقامة على مداخلها. ووفق بلاونة، فإن أكثر من مائة معلم ومعلمة لم يتمكنوا من عبور حاجزي "الحمرا" و"تياسير"، ما أدى يومها إلى عرقلة العملية التعليمية.

وتواجه مدارس الأغوار الممتدة على طول نهر الأردن في الضفة الغربية تحديات أمنية ولوجستية كبيرة. ووفق دراسة أعدها الباحث في الشؤون التعليمية محمد توفيق ربايعة، تعرض المعلمون والمعلمات والطلاب للإهانة والذل من جنود الاحتلال الإسرائيلي على الحواجز العسكرية، التي يتعمدون من خلالها عرقلة وصولهم إلى مدارسهم في الوقت المحدد. وغالباً ما يضطر المعلمون والمعلمات إلى سلوك الطرق الالتفافية الترابية، ما يتسبب بتعطيل الدوام الدراسي كلياً أو جزئياً. 

كما أن الاعتداء على تلك المدارس -التي تتنوع بين حكومية وتابعة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (أونروا)- أدى إلى تدني مستويات تحصيل الطلاب بشكل ملحوظ، فضلاً عن سوء الحالة النفسية للطلبة بسبب وجود جنود الاحتلال والمستوطنين، وإلى قلة توفر الوسائل التعليمية، وندرة وجود مكتبة ومختبر لتوفير الخدمات اللازمة للطلاب، بالإضافة إلى ضعف تأهيل الصفوف من حيث التهوية، والاضاءة، والتدفئة في الشتاء أو التكييف في الصيف. 

وخرجت الدراسة بتوصيات، أبرزها توفير خدمات الإنترنت والاتصالات لمدارس التحدي، وتوفير مواصلات للطلبة والمعلمين، والعمل على توفير وسائل حماية للطلبة والمعلمين وللمدرسة، ودعم مادي حكومي ومحلي للمدرسة، ولفت نظر المجتمع الدولي لمعاناة هذه المدارس وحشد العالم لدعمها.

وسُميت "مدارس التحدي" بهذا الاسم للتأكيد على استمرار تقديم التعليم للأطفال في المناطق المهمشة وتلك المصنفة "ج"، التي لا تسمح فيها سلطات الاحتلال ببناء المدارس. وتمنع سلطات الاحتلال إجراء أي تغيير أو بناء في المنطقة (ج) وفق اتفاقية أوسلو التي تشمل 61% من مساحة الضفة الغربية دون تصريح، ويكاد الحصول عليه أمراً مستحيلاً.

دعوة لحماية التعليم

ويُذكر أن جميع مدارس التحدي، البالغ عددها 32 مدرسة، مهددة بالهدم، إضافة إلى أن العدد الإجمالي للمدارس المهددة بالهدم يبلغ 58 مدرسة، جميعها تقع في مناطق "ج"، وفق بيان صدر عن وزارة التربية والتعليم، دانت فيه جرائم جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين، والانتهاكات المتصاعدة التي تستهدف المدارس والمؤسسات التعليمية الفلسطينية.

وأشارت الوزارة إلى الجريمة التي ارتكبها الاحتلال، فجر اليوم الأربعاء، بحق مدرسة التحدي –إبزيق التابعة لتربية طوباس، مؤكدة أن هذه الاعتداءات تشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني وللمواثيق الدولية التي تكفل حق الأطفال في التعليم الآمن. وأضافت أن هذه الممارسات تكشف بوضوح سياسة الاحتلال الرامية إلى تفريغ المناطق الفلسطينية من سكانها، واستهداف الوجود الفلسطيني عبر ضرب أحد أهم مرتكزات الصمود، وهو التعليم.

وحمّلت وزارة التربية والتعليم العالي الاحتلال المسؤولية الكاملة عن هذه الجرائم وتداعياتها النفسية والتربوية على الطلبة والمعلمين، مشددة على أن استهداف المدارس لن يثني الشعب الفلسطيني عن التمسك بحقه المشروع في التعليم، ولن يكسر إرادة الطلبة أو الرسالة الوطنية والإنسانية للتعليم.

ودعت الوزارة المؤسسات الدولية والحقوقية، وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) واليونسكو والأمم المتحدة، إلى تحمّل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، والتحرك العاجل لوقف هذه الانتهاكات المتكررة، وتوفير الحماية للمدارس الفلسطينية، ومساءلة الاحتلال عن جرائمه بحق التعليم.

المساهمون