أسبوعان خارج الشاشة
(Getty)
غبتُ عن وسائل التواصل الاجتماعي أسبوعين. لم يكن غياباً احتجاجيّاً، ولا محاولة لصناعة غموض شخصي رخيص، ولا حتى استعراضاً أخلاقيّاً ضد التطبيقات التي نستخدمها جميعاً ثم نتظاهر بالتمايز منها. كانت إجازة اختيارية فقط، وهذا وحده بدا لي اكتشافاً متأخّراً. أن يختار أحدهم الانسحاب المؤقت من هذا التدفق المتواصل للأخبار والآراء والصور والتعليقات، فذلك يشبه أن يغادر غرفة مزدحمة إلى شرفة هادئة، ثم يكتشف بعد دقائق أن أذنيه كانتا متعبتين طوال الوقت من دون أن ينتبه.
في الأيام الأولى، مددتُ يدي نحو الهاتف تلقائيًّا عشرات المرات، كما لو أن جزءًا من الوعي صار مربوطًا بهذه الحركة الصغيرة. أفتح الشاشة ثم أتذكر أنني في إجازة من هذا العالم الافتراضي، فأعيد الهاتف إلى مكانه وأضحك. أدركتُ أن العادة أخطر من الحاجة، وأن كثيرًا مما نفعله يوميًّا لا يدخل ضمن الرغبة الحقيقية، وإنما ضمن الإيقاع الذي يفرض نفسه حتى يتحول إلى جزء من الجهاز العصبي.
بعد أيام قليلة بدأت ألاحظ شيئًا آخر. الوقت نفسه تغيّر. الساعات التي كانت تتبخر بين منصة وأخرى صارت مرئية. المسافة بين الصباح والمساء اتسعت، والنهار استعاد شكله الطبيعي. قرأت أكثر، وكتبت بتركيز أهدأ، وجلست مع نفسي من دون استعجال غامض يدفعني إلى التقاط الهاتف كل عدة دقائق. حتى الأخبار التي كانت تبدو عاجلة ومصيرية فقدت كثيرًا من توترها عندما ابتعدت عنها قليلًا. العالم لم يتوقف، والكوارث استمرت، والسياسة بقيت قاسية، والحروب لم تنم، لكنني اكتشفت أن المتابعة المحمومة لا تمنحنا دائمًا قدرة أكبر على الفهم، وأحيانًا تسلبنا القدرة على التأمل أصلًا.
وسائل التواصل الاجتماعي صنعت وهمًا ذكيًّا اسمه “الحضور الدائم”. عليك أن تكون حاضرًا طوال الوقت، وأن ترى كل شيء، وأن تعلّق على كل شيء، وأن تعرف ماذا قال هذا وماذا أكل ذاك وماذا حدث قبل خمس دقائق في أقصى الأرض. ومع الوقت، يتحول الغياب إلى شعور بالذنب، كأنك قصّرت في واجب اجتماعي غير مكتوب. لذلك بدا لي أسبوعان من الغياب فعلًا شخصيًّا له طابع علاجي هادئ، كأنني أستعيد حقي البسيط في أن أعيش يومي من دون مراقبة مستمرة ومن دون هذا الاستنزاف العاطفي الذي تفرضه المنصات على أعصابنا.
المثير فعلاً أنني حين عدت، وجدت كل شيء كما تركته تقريباً. الأشخاص أنفسهم يتجادلون حول الموضوعات نفسها، والانفعالات نفسها تتكرّر، والصور تتشابه، والاندفاع الجماعي نحو أي قضية جديدة يحدث بالسرعة نفسها ثم يخبو بالسرعة نفسها. شعرت لحظتها بأن هذه المنصات تملك قدرة هائلة على تدوير المشاعر أكثر من إنتاج المعنى. هي تستهلك انتباهنا بكفاءة مذهلة، وتجعلنا نظن أننا نشارك في صناعة الحدث، بينما نحن غالباً نعيد تدوير ردات الفعل فقط.
لا أقول إن وسائل التواصل شر مطلق، فذلك كلام غير صحيح ومتعالٍ أيضاً. نحن نعرف قيمتها في المعرفة والتواصل والعمل والتضامن الإنساني وكسر العزلة، خصوصاً في القضايا العادلة التي تحتاج إلى صوت وصورة وشهادة حيّة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الوسائل إلى إقامة دائمة داخل الرأس، وعندما يصبح الصمت استثناءً نادراً، ويصبح التأخر في الرد أو النشر نوعاً من الاختفاء المقلق.
خلال الأسبوعين الماضيين عدتُ إلى أشياء صغيرة كنت أمارسها قديمًا بعفوية ثم أهملتها تدريجيًّا. عدتُ إلى القراءة البطيئة، وإلى متابعة فيلم من دون إمساك الهاتف، وإلى كتابة فكرة على الورق قبل نشرها على الشاشة، وإلى مراقبة النهار وهو يتبدل من خلف النافذة من دون الحاجة إلى توثيق ذلك بصورة. حتى المشي صار مختلفًا. كنت أمشي بعينين مفتوحتين فعلًا، لا بعقل موزع بين الطريق والتنبيهات.
ربما نحتاج، بين وقت وآخر، إلى هذه الإجازات القصيرة من العالم الافتراضي، لا باعتبارها موقفاً عدائيّاً من التكنولوجيا، وإنما باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب العلاقة معها. العلاقة التي يفترض أن تقوم على الاستخدام، ثم تنقلب تدريجيًّا إلى نوع من التبعية الناعمة التي تتسلل إلى المزاج والتركيز والنوم وطريقة التفكير.
أسبوعان فقط كانا كافيين كي أتذكر أن الحياة تحدث أيضاً خارج الشاشة، وأن بعض الأفكار تحتاج إلى عزلة قصيرة كي تنضج، وأن الصمت أحيانًا يعيد للروح لغتها الأصلية.