أصوات الشهداء
(يوسف عبدلكي)
ترتفع أصوات الشهداء ثم تختفي، لا تتوقف أبداً، ترتفع نداءاتهم للتذكير بمواقفهم، والمطالبة بمواصلة العمل من أجل تحقيق تطلّعاتهم. تخفُت أصواتهم أحياناً ويعتريها أنينٌ كالحنين أخرى، من دون أن تنقطع أو تندثر، تحمل أعينهم البريق نفسه، والنظرة نفسها إلى كل ما كان يجري أمامهم، رغم كل ما يشوب أنماط حضور أصواتهم من اضطرابٍ أو تردّد. تعلو محياهم ابتسامة تزعج خصومهم القدامى والجدد.
انتبهتُ إلى أصوات بعض الشهداء، بمناسبة حلول ذكرى اختفائهم، وإعلان تعرّضهم للاختطاف ثم الاختفاء، أو القتل في الشارع العام، انتبهت إلى نداءاتهم ونداءات أقاربهم ورفاقهم، وقد ارتسمت على أحرفها وطريقة النطق بها، كل ألوان الألم المقترن بالعنف والغضب والأسى، انتبهت إلى صوت المهدي بن بركة (1920- 1965) صاحب الاختيار الثوري، وأنا أستمع إلى ابنه البشير يتحدّث في إذاعة فرنسية، صبيحة يوم 29 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بمناسبة مرور ستة عقود على اختطاف والده. كان المتحدث يبلغ زمن الاختطاف 15 سنة، واليوم يتحدّث عن والده بعد بلوغه الخامسة والسبعين، من دون أن يتمكن لا من معرفة مصير الوالد، ولا معرفة قبره.. يتكلم البشير عن مأساة الأم والزوجة والأطفال، ومنهم من توفي ومنهم من ينتظر، ولا أحد منهم يعرف مصير المهدي، ولا من المسؤول عن مآله بعد الاختطاف والاختفاء القسريين.
اللغز متواصل، ولا جديد في الحكايات المتواصلة اليوم في موضوع ما جرى
يتحدّث البشير بحزنٍ كبيرٍ لا يوصف، يؤكّد أن اللغز متواصل، ولا جديد في الحكايات المتواصلة اليوم في موضوع ما جرى، يتذكّر ما علّمته والدته من القيم، يجيب من يسأله موضحاً: حلول الذكرى الستين لفقدان الأب، ووفاة والدته التي ظلت تنتظر عودته، ثم وفاة زوجته، يضاعف مرارة الفقدان. وإذا كان هذا يتعلق بالجانب العائلي، فإن مرارة المواطن التي تملؤني بكثير من الأسى، تُضاعف إحساسي بالحزن والغضب. يُضاف إلى كل ما سبق، ما نلاحظه أن الزمن يمارس بدوره على القضية كثيراً من الضباب والصمت والروايات، رغم أنها تستحقّ مواصلة المواجهة، بحثاً عن معرفة حقيقة ما جرى. ويتصوّر البشير أن أبناءه، أحفاد المهدي، سيواصلون البحث حتى لا تتعرّض المسألة للطمس.
تتكاثر المرويات والملفات والشهادات وتتناقض، وتجمع رواياتٌ كثيرة على أدوار كل من المغرب وفرنسا وأميركا وإسرائيل في كل ما حصل، ذلك أن الشهيد كان يعمل من أجل بناء صوت للعالم الثالث، وكان علامة مضيئة في حركة تحرّر المغرب العربي وأفريقيا وتحريرهما، إضافة إلى مساعيه الهادفة إلى بناء مغرب جديد.
تلتقي أصوات الشهداء المنبعثة من قلب الأرض، أو القادمة من السماء، تلتقي مع أصوات الأهل والرفاق والشعراء، وعندما حلت ذكرى مرور ستة عقود على اختطاف المهدي بن بركة، تذكّرت، في اللحظة نفسها، مرور خمسة عقود على اغتيال الشهيد عمر بن جلون (1936-1975)، الذي تعرّض يوم 18 ديسمبر/ كانون الأول 1975 للاغتيال أمام باب منزله، وبالقرب من سيارته.. تذكّرت صوت رثاء الشاعر المصري الكبير أحمد عبد المعطي حجازي، كما تذكرت جمع قصيدة الرثاء بين المهدي وعمر، الأمر الذي منح القصيدة مزايا فنية وسياسية عالية، وحوَّلها إلى ملحمة في رثاء جوانب من أحوال التأخر التاريخي العربي.. وأنا أستمع للبشير، وأردّد أبيات الرثاء في القصيدة، تعالت أصوات الشهداء وهي تلتقي بأصوات الأحرار في العالم، وتداخلت الأصوات، وانخرط الجميع في حفلٍ موسيقي كبير، مع كل الذين يعملون من أجل مجتمعات أكثر عدلاً، وأكثر وفاء لقيم التاريخ والإنسان والتقدم.
ترتفع أصوات الشهداء احتجاجاً على أحوال اليسار في المغرب وفي الوطن العربي، وعلى التراجعات الحاصلة في مشروع توطين الديمقراطية والعدالة والتقدّم في مجتمعنا
ترتفع أصوات الشهداء لتعلن احتجاجهم على مختلف التراجعات التي تسيء للطموحات والتطلّعات التي كانت توجّه عملهم السياسي، وترسم خياراتهم ونضالاتهم. ترتفع أصواتهم احتجاجاً على أحوال اليسار في المغرب وفي الوطن العربي، وعلى التراجعات الحاصلة في مشروع توطين الديمقراطية والعدالة والتقدّم في مجتمعنا، تملأ نداءاتهم المُوجِعَة سماء الوطن، إنها تذكّرنا بضرورة مواصلة العمل، من أجل تحقيق ما كانوا يتطلّعون إليه.
أتذكر جثة الشهيد عمر بن جلون، كما أتذكّر مواقفه السياسية في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ونضاله النقابي في الاتحاد المغربي للشغل. أتذكّر وقفته الشامخة في المؤتمر الاستثنائي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة 1975.. ولا أنسى جِذْرِيتَه في النظر إلى أوّليات المشروع الديمقراطي، متمثلة في تصفية الأجواء السياسية في المغرب بداية سبعينيات القرن الماضي، من أجل الإعداد لديمقراطية تناسب تطلعات المجتمع المغربي، وقد كانت تترجمها بوضوح افتتاحيات صحيفة المُحَرِّر.
أتذكّر قصيدة حجازي في رثائه، وقد سَطَّر فيها بكلمات أكّدت وتؤكد أصوات الشهداء الذين يواصلون التغنّي بتطلعات شعوبهم، حتى عندما تشاء القوى الرجعية والمُحافِظة القضاء عليها. استحضر الشاعر في أثناء رثائه عمر اسم المهدي، استحضره وهو يستعيد بعض معالم السيرة النضالية لعمر في درب المهدي، وفي الأفق السياسي الذي كانا معاً يتطلعان إليه، فتحولت القصيدة إلى مرثية للشهيدين. اكتشفت لحظة استحضار ما سبق أن الأصوات التي ترامت إلى مسمعي كانت تستعيد بعضاً من مقاطع الرثاء.