أمطار فوق جثة المدينة
طفل في غزّة بين الأمطار (14/11/2025 الأناضول)
أمام بوابة المستشفى العتيق، أو المستشفى الوحيد في جنوب قطاع غزة المنكوب، وحيث كان ولا يزال هذا المستشفى قبلة المرضى الفقراء، إضافة إلى أنه أصبح اسما في الأخبار مع توالي أكثر من عدوان على غزّة واستقباله الجرحى والموتى، وتعرّضه للحصار في حرب الإبادة، فأمام بوابته تكتشف أنه ملاذ الفقير البائس الذي بلا حيلة، الإنسان الذي أنهكته الحرب ولم يسمع صراخه وشكواه أحد، فلم يجد طريقة لكي يبلغ رسالته إلى العالم الذي أشاح وجهه عن مأساته، معتقدا أن الحرب التي وضعت أوزارها قد وضعت حدّاً لمعاناة الناس أيضا.
لم يجد ذلك الإنسان الضعيف سوى أن يرقد على الأرض المبلّلة بماء المطر، والذي اختلط بالرمل والطين، فتحول إلى وحل، ولكنه لم يبال، أو لو أردنا الدقة لم تعد لديه حيلة سوى أن يتمدّد في هذا المكان، ويلتحف بآخر غطاء يمتلكه، رغم أنه يبدو مهلهلا ومتهالكا ويخفي وجهه بين انحناءات جسده الضئيل، غير عابئ بشيء.
يزعم كثيرون أنه قد مر على هذا الرجل في هذا الوضع أكثر من يومين، يقول ذلك الباعة الجائلون الذين يلتقطون رزقهم من بضائع مزجاة يعرضونها على المارّة الذين يدخلون ويخرجون من المستشفى وهم كثر ولكن أكثرهم لا يملكون سوى أن ينظروا نحو بضائعهم ويمضوا، والأهم والأكثر ألما أنهم ينظرون صوب الرجل النائم على الأرض الموحلة وأمام بوابة المستشفى الواسعة ويمضون أيضا، ترى نظرات الألم والتأثر على وجوههم لوهلة ثم تختفي، ويمضون وكأن لسان حالهم يقول له: لا نملك لك شيئا.
استلقى ذلك الرجل في هذا المكان ورصدته كاميرات وسائل الإعلام المحلية، والتقط الفضوليون صورا له من خلال هواتفهم النقالة، بعد أن ضرب أول منخفض جوي ماطر أنحاء قطاع غزّة وانكشف البؤس جليا أمام عجز المدينة التي استحالت إلى جثة بعد حرب منهكة أكثر من عامين، انكشف بالفعل ما كان بعضهم يحاول أن يتهرّب منه أو يجمله، أو حتى يؤجّل الحديث عنه، وهو أن قطاع غزة جثة يسقط فوقها المطر.
تخيّل أن يهطل المطر فوق جثة بلا حياة، تخيّل ما الذي سوف تقوله تلك الجثة للأحياء لو نطقت مرّة واحدة أو أخيرة، قطعا سوف تقول إن المطر الذي يسقط فوقها شهادة إدانة جديدة لكم، لأنكم تعرفون كيف قتلت بالنار شهوراً وأياماً، واليوم أقتل ثانية بالماء، لا أحد يكرمني ويواريني في القبر، ولا أحد استطاع أن ينقذني، حين كنت أجود بأنفاسي الأخيرة.
اليوم يهطل المطر على جثةٍ قاومت أشكالا للموت عامين، وحاربت لكي تبقى بكل الطرق، ولكن عليها اليوم أن تحارب لكي تبقي على رفاتها، لعل أحدا يواريها الثرى، ويوغل في عمق قبرها، ويكتب فوق القبر بخط رديء: هنا كانت مدينة تقاوم.. هنا عنوان تخاذل العالم وحقارته وصمته.
اليوم تحارب غزّة وحدها هجمة الطبيعة التي لم تتأخّر فيما يعرف العالم من حولها حجم الكسرة التي سوف تسد رمق أهلها ولكنه لا يقدمها، ويعرف شدة البرد الذي يضرب أجساد أهلها أيضاً، ولا يمد يدا بغطاء وكأنه يتعمّد أن يكسر الكرامة والروح لديهم، كما أزهق الأرواح وكسر العظام وأذاب الجروح بالعفن لقلة الدواء.
اليوم، يصمت العالم الحقير المتواطئ والمتآمر عن حال أهل غزّة بعد الحرب، وبعد أن القوا بهم في الخيام، بعد أن كانوا في بيوت صغيرة متواضعة دافئة وساترة، وكأن العالم كله قد آمن أن الشعب كله يجب أن يتحوّل إلى متلق صامت، وأن يصبح العراء والفضاء جزءاً من يومياته التي يجب أن يتقبلها، وأن يطوع ألمه، لكي يصبح عادة يومية ليس من حقّه أن يطالب بتغييرها، وأن يصبح مجرد الاحتجاج على هذا الواقع أمرا فجا وغير مصدق ولا محتمل، وأن يبقى قابعاً في خيمته المهترئة شاخصا نحو الشمس منتظرا الخراب الأخير.