أن ترتفع نسب الطلاق في مصر

05 ديسمبر 2025

(بهرام حاجو)

+ الخط -

خرجت تقارير مصرية رسمية أخيراً بأرقام مفزعة عن نسب الطلاق والزواج في مصر، اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا لمن يعي تبعات تلك الأرقام. كثيراً ما تردّد الحكومة والرئاسة خطورة ذلك الأمر على مصر وعلى الأسرة المصرية، من دون أن تقول ماذا فعلت لتقليل هذه النسب والأرقام المفزعة للطلاق، ولماذا الزيادات الكبيرة جداً في معدّلاته في السنوات العشر الماضية، كما لو كانت لا تملك معلوماتٍ ولا دراساتٍ ولا إجاباتٍ، أو أنها تتجاهلها وتلقي باللوم على أسباب هامشية في بعض الأحيان.

يفيد تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الذي استندت إليه الصحف بأن مصر سجّلت في عام 2024 انخفاضا في عقود الزواج بنسبة 2.5% بينما ارتفعت حالات الطلاق بنسبة 3.1% مقارنة بما كانت عليه في 2023.، بلغ عدد حالات الزواج في عام نحو 937 ألف عقد، استحوذ الريف على نسبة 57.8% منها. في المقابل، ارتفعت حالات الطلاق إلى 274 ألف حالة في 2024، مقارنة بـ 266 ألفا العام السابق عليه. وارتفعت النسب في الحضر إلى 158.2 ألف حالة تمثل نحو 57.8% من إجمالي الحالات، بنمو 5.1%، وفي الريف إلى 115.7 ألف حالة بنمو محدود 0.5%. وفي التفاصيل هناك كثير من المسكوت عنه، إذ إن أعلى معدلات الزواج هي بين متوسّطي التعليم الذين هم الأقل معاناة من البطالة فيما يرتفع الطلاق في أوساط الجامعيين والجامعيات. وبالتالي، يمكن القول إنه كلما ارتفعت مستويات التعليم ارتفعت حالات الطلاق وانخفضت معدّلات الزواج.

يبدو هذا الموضوع محيّراً للحكم، وقد تكرّر ذكره في خطابات رئاسية. أخيراً، خرج علينا الرئيس عبد الفتاح السيسي متّهما الدراما بأنها ترفع سقوف تطلعات الزوجات عندما يرون القصور والفيلات الفارهة فيعتقدن أن مهمّة الزوج أن يوصلهن إلى هذا المستوى، وأنها تنشر أفكاراً حول الخيانات الزوجية وغيرها. والحقيقة أن رفع سقوف التطلعات جزء من المشكلة، لكن الجزء الأهم أن هذا يعبّر عن التفاوت الرهيب الذي تفاقم في العشرية السوداء الماضية جرّاء السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة، من دون أية سياسات ترفع من مستوى الفئات الأفقر المادية والاجتماعية، أو حتى تعينهم على التكيف مع السياسات النيوليبرالية، وإنما أسقطت عشرات الملايين تحت خطوط الفقر، وفي طبقات أدنى، وزادت من معاناتهم على عكس كل الخطابات الحكومية والرسمية.

معدلات الطلاق تزايدت أكثر من 15% في السنوات العشر الماضية وحدها، وهي معدلات قياسية مقلقة

كما خرجت علينا مواقع صحف عديدة وصفحاتها على مواقع التواصل، لتستطلع آراء المصريين بشأن الأسباب، والتي تنوّعت، وعبرت عن أسبابٍ كثيرة تبدو أكثر منطقية مما تشير إليه الحكومة والرئاسة، اتفقت أغلب التعليقات على أن أهم الأسباب هي الظروف الاقتصادية والاجتماعية من بطالة مرتفعة، وهي بين الشباب شديدة الارتفاع، ومعدّلات فقر مرتفعة جدّاً، وهي كذلك شديدة السوء لدى الشباب، بل هناك مؤشّرات فقر رغم العمل عالية جدّاً في مصر، بالإضافة إلى تضخّم أسعار جميع السلع بمعدلات قياسية، وهي في الغذاء والسكن اللذين هما أهم متطلبات الأسر الجديدة، ما يجعل الإقبال على الزواج مغامرة غير محسوبة العواقب، وهي أمور ربما لم يجرُؤ أحد أن ينبّه الحكومة والرئاسة إليها.

أيضاً، يجب أن تؤخذ هذه الأرقام على محمل الجد من ناحية الفقر والبطالة، ومن ناحية خطاب نسوي يرفع سقوف التطلعات والاستحقاقية للمرأة، تقابله خطابات ذكورية في رد فعل أيضاً عليه، وعلى سلسلة قوانين فُصّلت لصالح المرأة على حساب الأسرة والرجال والدولة، فما الذي ننتظره إذا كانت حالات الطلاق حوالي 30% من حالات الزواج، وكانت 274 ألف أسرة تتفكّك وتضيع في السنة، وهو ما لا يحدُث حتى في أسوأ البلدان حالاً؟ كيف سنواجه تبعات هذا من تشرّد ملايين الأطفال، وكيف سيؤثر هذا في نسب الإدمان والجريمة والأزمات والصدمات النفسية والاجتماعية لدى الأبوين والأطفال، وما تبعات هذا على الجميع؟

تتحدّث الرئاسة والحكومة عن ارتفاع نسب الطلاق وحدها من دون حديثٍ عن تأخر سن الزواج وارتفاع متوسّط سن الزواج حتى حدود الثلاثين عاماً، بينما كانت في حدود الـ24 عاماً، قبل تولي السيسي الرئاسة في عام 2014، ويبدو أنهم شديدو السرور بهذه النتيجة، حيث هذا مفيد لسياسة خفض الزيادة السكانية التي يعتبرونها المعوق الأول للنمو والتنمية، بينما تقول أرقامهم غير ذلك، إذ رغم انخفاض معدل الخصوبة والنمو السكاني بشكل ملحوظ، لم تحدُث أية نقلة نوعية، لا في النمو بأرقامه الكلية، ولا التنمية بمؤشّراتها الحقيقية، فلم نرفع ملايين من خطوط الفقر، بل لم نحافظ على نسب الفقر ومعدلاته، كما كانت من قبل.

على المجتمع وشبابه أن يحدّد ما إذا كان سيبني أسراً وفق السيداو، أم وفق الشريعة والظروف الاقتصادية والاجتماعية والواقع

أفادت بعض هذه التقارير أيضاً بأن معدلات الطلاق تزايدت أكثر من 15% في السنوات العشر الماضية وحدها، وهي معدلات قياسية مقلقة، تدعو إلى إطلاق عدة دراسات لهذه الظاهرة التي لا يحيطها مقال أو دراسة واحدة، فالموضوع يرتبط بالاجتماع والاقتصاد وعلم النفس ومؤشّرات المزاج العام والتفاؤل والتشاؤم من المستقبل ودراسات الشباب والفئات الاجتماعية. فيما يقول بعض سماسرة العقارات إن هذا التزايد في معدلات الطلاق يخدم السوق العقاري وينشط الطلب، وهم محقون، لأن انشطار الأسر ينشئ طلبا أعلى، ولأن الطلاق في مصر يعني خسران الرجال أموالهم وعقاراتهم لصالح زوجات ممكنات، بالقانون تارّة وبالبلطجة تارات أخرى، أو يقيم حالات انتقام زوجي، تُحدث صراعات على ملكية العقارات وحيازتها، قد لا تنتهي، ويظلون عبيداً للسوق العقاري الذي يعتبرهم مجرّد زبائن أفراد، لا أسراً تحتاجه للحفاظ عليها.

وإذا كانتا، الرئاسة والحكومة، جادّتين في محاربة ظاهرة الطلاق، فليس إصلاح الدراما وحدها هو الحل، على أهميته، بل يتطلب الأمر حزمة سياسات اقتصادية واجتماعية، ويتطلب سياساتٍ لحماية الأسرة، ومحاربة الخطابات النسوية والذكورية السطحية المتطرفة التي تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتحلق في فضاء تكديس متخيّل للحقوق الفردية، وتقديس شبه مطلق للفرد وللوحدة وتخويف ممنهج من الزواج ومظاهر احتفالية بالطلاق، باعتباره ليس نهاية العالم.

عليها أيضا أن تراجع سلاسل من الفتاوى، لا تصلح إلا للأثرياء، وترفع استحقاقية النساء، وتكرس المبالغات في متطلبات الزواج، والتي توجِد أسراً أكثر فقراً وإحساساً بالتفاوت والاستدانة، وتعيش ظروفا اقتصادية واجتماعية سيئة، نتيجة الضغوط التي تتسبّب بها حالة الاستدانة الواسعة من الأهل والأقارب والبنوك ومؤسّسات الإقراض من أجل الزواج. وفي النهاية، تحمّل الطرفين ديوناً مادّية ومعنوية، وتتفاعل مع العوامل الأخرى، مثل الدراما، ومثل الخطابات النسوية والذكورية الصراعية. وتؤدّي إلى أسر متفسّخة، سواء بالطلاق الصامت أو الفعلي، وعليها أن تراجع قوانين الأسرة بما يحقّق العدالة، وليس فقط المساواة في الحقوق من دون واجبات والتزامات على الطرفين تجاه بعضهما وتجاه الأسرة. كما على المجتمع وشبابه أن يحدّد ما إذا كان سيبني أسراً وفق السيداو، أم وفق الشريعة والظروف الاقتصادية والاجتماعية والواقع؟ وبالتالي، عليه أن يراجع بالكلية العادات غير المنطقية والمكلفة المرتبطة بالزواج والطلاق، والتي تكرّس حالة صراعية مجتمعيا لن تقتصر آثارها على البعد الاجتماعي، وإنما ستمتد إلى السياسة والاقتصاد، وقد تحرق الأخضر واليابس.