أيكون "خِضْرَاً" ما نراه؟
(وجيه نحلة)
كلما ولد التنّين، ولد الخضر كي يقتله. هكذا كانت الأمور، وهكذا ستكون دائماً، لذلك حين ظهر ترامب من الغرب، اتجهت عيوننا شرقاً، نرقب ظهور الرمح من فوق غرّة الحصان.
تأخّر خضرنا قليلاً، دورة انتخابية وربع تقريباً. غيّر اتجاهه قليلاً، ولم يأت من الشرق، بل من رمانة الكتف الشمالية للعالم. ليس على حصان، بل من فوق صهوة منبر. لم يأتِ حاملاً رمحاً، بل جاء بما هو أمضى، أتى حاملاً كلمات.
المهم أنه ظهر، وللخضر في حكايتنا الشرقية القديمة ظهوراتٌ مختلفة، هذه المرّة اختار أن يكون صوتاً شجاعاً يصرخ: اللعبة القديمة انتهت، والنظام العالمي الذي عشنا في داخله منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لا يتغيّر بالتدريج كما جرت العادة، بل بانقطاع جذري. لسنا على الطاولة، ولن نقبل أن نكون الوجبة، لذلك سنصنع طاولة جديدة، وندعو الذين مثلنا ليكونوا معنا.
ليس رئيس وزراء كندا، مارك كارني، خضراً تماماً، لكنّه رجل أدرك أن تنّين زماننا أقوى من أي خضر، ومن قدرة أي رمْح مهما رَمَح. ولا بد من حشد كثيرين من "المؤمنين" ليتعاونوا على قطع رؤوسه الكثيرة. ومن خبراته السابقة في إنقاذ اقتصاد كندا عقب أزمة 2008 (محافظ بنكها المركزي 2008 - 2013)، ثم اقتصاد بريطانيا (محافظ بنكها المركزي 2013 - 2020)، يدرك أن أفضل طريقة لحشد الناس هي الكلمات. سيما إذا كانت كلمات صادقة ومنتقاة بعناية.
في معقل التنانين دافوس، وقبل نحو أسبوعين، وقف كارني أمام زعماء اقتصاد العالم، وتحدّث ستّ عشرة دقيقة، قال فيها ألفي كلمة، ليس فيها كلمة فائضة. وكانت كلها كلمات مواطن من العالم، لم يعد يستطيع الصمت عن استخدام معيشة الناس وسيلة إكراه، والتعرفات الجمركية أداة ضغط على الحكومات والشعوب، وسلاسل التوريد سيف تهديد. فقال ما عليه أن يقول. تحدّث بصفته إنساناً، أديباً، وليس كخرّيجي اقتصاد هارفارد أو إكسفورد (وهو خريّج كلتيهما بالمناسبة).
لم يتحدّث بوصفه حاكم بنكين مركزيين كبيرين، ولا رئيساً لمجلس الاستقرار المالي الدولي، بل عاد إلى صفاته الأولى: ابن لأبوين معلمين، وأب تزوج زميلته في الجامعة، وأنجب وإياها أربع بنات. ... وهل يمكننا توقع مكان يشعر بالواجب اتجاه تحسين العالم أكثر من قلب رجلٍ أنجب أربع بنات؟
بدأ خطابه باستحضار فكرة مقال من العام 1978 لفاتسلاف هافل، الذي حكى عن بائع خضار في إحدى الدول الشيوعية، يفتح دكانه كل صباح، ويفرد صناديق الخضار ثم يعلّق لوحة كتب عليها جملة ماركس: يا عمّال العالم اتحدوا. هو لا يصدّق العبارة، ولا يؤمن بها، لكنّه يضعها خوفاً، مثل ملايين غيره. وفي اليوم الذي سيتجرأ بائع خضار واحد على عدم وضع اللافتة الكاذبة سينهار هذا النظام بكامله.
في الخطاب، وصف كارني البيئة الدولية الحالية بأنها عدوانية، تقوم على منطق القوة، تستخدم الدول الكبرى فيها التجارة والتكنولوجيا أدوات هيمنة، وأسلحة توضع فوهاتها على صدغ العالم وتصرخ به: أموالك أو حياتك. وبكل براعة، قال كل ما يريد، من دون أن يسمّي ترامب، ولا الولايات المتحدة. ليس خوفاً، فأنا وترامب فهمنا تماماً ما يقول، بل احتراماً لما يدعو إليه، وهو نظام دولي جديد يقوم على الشفافية، والقانون الدولي، والاحترام المتبادل.
وهو عاقل، يدرك أن ذلك كلام إنشائي، وأحلام شعراء. لذلك دعا، بكل وضوح، إلى تحالف القوى المتوسّطة لإعادة التوازن إلى العالم. فالتنّين حين يكبر ليصبح بحجم غيمة، كتنانين دينيرس، سيحتاج خضراً بحجم طائر السيمرينغ، والذي ستكتشف حين تقترب منه أنه اتحاد آلاف الأسراب من الطيور الصغيرة وانسجامها.
ختم كارني خطابه بالعودة إلى استعارته من هافل وقال: قرّرنا إزالة اللافتة. وهو ذلك كله كرّر ما فعله آخر خضر عرفه نوعنا، حين ظهر التنّين هتلر، وأدرك تشرشل أنه لا يكفي بذاته وببلده ليكون خضراً يقتله، فحشد قوى العالم ليصنعوا معاً خضراً نجح بقتل التنّين في النهاية.
ها نحن نفعلها مجدّداً، وكارني أطلق صفيراً يدعو أسراب الطيور إلى الانضمام إليه، فقدر البشر أن يعودوا بشراً، ويتّحدوا كلما ظهر تنّين.