أي عالم بقي متاحاً لنا؟
من الضحية ومن الجاني؟ أين تبدأ حدود المسموح وأين تنتهي؟ ما الأخلاقي وما غير الأخلاقي؟ من يحدّد الجيّد والسيئ، المقبول والمرفوض، وبناءً على أيّ معايير؟... دراما أخلاقية تدور في حرم جامعة ييل الأميركية العريقة في فيلم "بعد المطاردة"، تعيد طرح مفهوم الضحية في أجواء ما بعد حملة "Me Too" (أنا أيضاً) وتأثيراتها في ترسيم حدود المسموح والممنوع في حرم الجامعات الأميركية، حيث تدور إحدى أعتى معارك ما يسمّى بـ"الحرب الثقافية" بين المحافظين والليبراليين.
تلعب النجمة جوليا روبرتس دور "ألما إيمهوف"، أستاذة الفلسفة اللامعة والكاريزمية المدافعة عن القضايا النسوية التي تحظى بإعجاب طلّابها، وبشكل خاص طالبة سوداء البشرة، ثرية، تقدّم عائلتها العديد من التبرّعات للجامعة، وتحظى لذلك بسطوة خاصة. هل قدّمت "ألما" صداقتها ودعمها للطالبة باعتبارها لامعةً كما ادّعت، أم لكونها من عائلة ثرية لها سطوتها في الجامعة، وهي التي لا تزال تنتظر قرارَ تثبيتها، وتخشى خسارة كل ما عملت من أجله خلال أعوامٍ طويلة؟ تلجأ الطالبة للأستاذة لتبلغها أنها تعرّضت لاعتداء جنسي من أستاذ جامعي هو صديق للمدرّسة، ومنافس لها في مسار التثبيت. يتوقّع المشاهد أن تقوم "ألما" باحتضان طالبتها ماغي، إلا أنها تقول ما يفترض ألا يقال في مناسبة كهذه، فتسأل الطالبة: هل أنت أكيدة (من وقوع الاعتداء)؟ لا يجيب الفيلم عن هذا السؤال، ويبقي الغموض حول ما إذا كان الأستاذ الجامعي، الذي طُرد من منصبه بسبب الشكوى، هو فعلاً مُعتدٍ، أم إن الطالبة التي يظهرها الفيلم في مظهر الثرية الكسولة والراغبة في الانتقام، اخترعت التهمة مدفوعةً بأدبيات الانتقام من صورة الرجل الأبيض المسيطر.
تلقّى الفيلم انتقادات كثيرة لما اعتبر معالجةً سطحيةً لـ"الحرب الثقافية" في حرم الجامعات الأميركية بشكل خاص، التي أصبحت الحرية الأكاديمية ضحيتها الأولى، بعدما بات النقاش الجامعي معلّباً في حدود ما يُفترض أن يقال. انتُقد الفيلم أيضاً لتصويره السلبي لضحية مفترضة لاعتداء جنسي من دون توضيح ما إذا كان الجاني مذنباً أم لا، ومن دون التعبير عن التعاطف المفترض مع الضحية المزعومة. لكن الجميع في العالم الأكاديمي الهشّ (يصوّره الفيلم) ضحية ومذنباً في آن. في عالم تحكمه الهشاشة والخوف من الكلمة وتبعاتها، من الصعب أن يتصرّف الأفراد بالأخلاق التي يريدها طلاب جامعة ييل من محيطهم. كما أن من شبه المستحيل في بيئة جامعية بات الطلاب فيها "لوبي"، يفرض ما يمكن أن يقال أو لا يقال في قاعة التدريس، أن يكون التعليم ليبرالياً بالشكل الذي يتمنّاه الأساتذة الذين ينتمون إلى جيل آخر وتجربة مختلفة في الحياة والثقافة. مشهدان يختزلان الاختلاف الجوهري بين جيلَين يحملان ثقافتَين قد لا تلتقيان: زوج المدرّسة يهزأ بخفّة من الطالبة التي تقول إنها اختارت موضوع رسالة الدكتوراه لأنه راديكالي، ولأن المجتمع بات راديكالياً، فيردّ ساخراً: هذا مثير للاهتمام. والمدرّسة في ردّها على الطالبة التي تقول إنها لا تشعر بالارتياح في الجدل معها، بأنه ليس من الضروري أن تشعر دوماً بالارتياح، كما لو كانت تأخذ حمّاماً ساخنا قبل النوم.
بات الخوف البديل لما يفترض أن يكون النقاش الليبرالي المفتوح على كل الاحتمالات
يعالج الفيلم مسألة أكثر عمقاً من تبعات حملة "Me Too"، وما إذا كان الاعتداء الجنسي وقع أم لا. في العالم الراهن للتعليم الأكاديمي بات الخوف البديل لما يفترض أن يكون النقاش الليبرالي المفتوح على كل الاحتمالات. الخوف من معالجة مسألة قد تعتبر صادمةً أو غير ملائمة للطلاب، الخوف من خطأ في تقدير الهُويَّة الجندرية لطالب ما، الخوف من شكوى طالب أو طالبة قد تنتهي بالمحاسبة أو حتى الطرد. في الفيلم، يفقد الأستاذ الجامعي منصبه لمجرّد شكوى من دون أيّ تحقيق أو مسار قانوني. زميلته فقدت أيضاً منصبها لمجرّد ارتكابها خطأً اعتُبر مخالفاً لقيم الجامعة. لكن ما هي قيم الجامعة التي يتحدّثون عنها؟ في عالم يسعى فيه الجميع للنقاء، لا مجال لارتكاب الأخطاء، وكذا لا مجال لتدريسٍ يُفسح المجال للأسئلة المقلقة التي لا تثير الارتياح.
هشاشة العالم الأكاديمي وانحداره السريع من الجوهر إلى الشكليات يرسم معالم بيئة جديدة بتنا فيها أشبه بالعملة القديمة
يتجاوز الفيلم بكثير مسألة الاعتداء الجنسي ليدخلنا عالم الشكّ. كيف يُمكن قولبة الحقيقة بحسب مصالح (ومخاوف) الفرد الهشّ الذي يشعر بأنه مطارد، بصرف النظر عما إذا كان فعلاً موضوعَ مطاردة واضطهاد أم لا. في وقت تحاول إدارة ترامب أن تحكم قبضتها على التعليم الجامعي، وفي وقت تحوّل الحرم الجامعي ساحةً للدفاع عن القضايا الإنسانية، أولها وقف الإبادة في غزّة وإنهاء نظام الفصل العنصري في إسرائيل، بات الاستمرار في هذا العالم المتأزّم أشبه بالمغامرة. في بريطانيا، رفضت محكمة العمل شكوى أحد المعلّمين بأنه فصل من مدرسة في مقاطعة ويلز بشكل غير عادل لرفضه الإشارة إلى أحد الطلاب باستخدام ضميرهم المفضّل. في جامعة العلوم السياسية في باريس (Sciences Po) استقالت معلمة رقص لرفضها قرار الجامعة إرغامها على استبدال كلمتي "رجال" و"نساء" بـ "قائد" و"تابع" في الرقص، بعد شكوى من أحد الطلاب لرفضها الالتزام بالتعليمات.
إنه زمن مثير للاهتمام بقدر ما هو شائك. هشاشة العالم الأكاديمي وانحداره السريع من الجوهر إلى الشكليات يرسم معالم بيئة جديدة بتنا فيها أشبه بالعملة القديمة. بين عالم المثاليات الأخلاقية النقية من الشوائب التي يدعو إليها الطلاب، ومشهد رئيس أميركي يرشق معارضيه بـ"البراز" في فيديو أنتجه الذكاء الاصطناعي، نتساءل أيّ عالم بقي متاحاً لنا.