إسرائيل وكازاخستان... إنجاز على الهامش
ترامب يجتمع بقادة دول آسيا الوسطى في حفل عشاء بالبيت الأبيض (6/11/2025 Getty)
ليست كازاخستان وافداً جديداً على العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي، فمنذ استقلالها عن الاتحاد السوفييتي عام 1992، تربط الجانبين علاقات دبلوماسية مباشرة، وغرفتا تجارة مشتركتان. وحين يُعلن دونالد ترامب أن كازاخستان ستكون أول دولة في ولايته الثانية تنضم إلى الاتفاقات الإبراهيمية، فإن عجلة "السلام مقابل لا شيء" تدور مجدّداً. لا من نقطة الصفر، بل من أرضية قائمة أصلاً. قد يبدو المشهد كما يحب ترامب أن يقدّمه: دولة إسلامية جديدة تدخل نادي التطبيع مع الاحتلال، وأول توقيع منذ حرب الإبادة الإسرائيلية على غزّة. لكن قرار الانضمام إلى "نادي التطبيع" لا يفتح باباً مغلقاً بقدر ما ينقل علاقة ثنائية من هدوئها إلى واجهة المشهد السياسي والإعلامي.
كازاخستان دولة حبيسة بين نفوذَين ثقيلَين: روسيا ثقافياً وتاريخياً، والصين اقتصادياً، مروراً بممرّات الطاقة ومشاريع "الحزام والطريق". الانخراط في مشروع ترعاه الولايات المتحدة، وتُقدَّم فيه إسرائيل بوابةَ التكنولوجيا والأمن والمال، يمنح القيادة الكازاخية هامشاً للمناورة، ويُسهّل إدراج التعاون مع إسرائيل تحت مظلّة الاتفاقات الإبراهيمية تسويقه داخلياً وخارجياً: استثمارات، وأمن سيبراني، وزراعة ذكية، بضمانة أميركية. وعلى عكس دول عربية مركزية، وفي بلد لا تُشكّل فيه فلسطين معياراً لتعريف الذات السياسية كما هو الحال في المشرق العربي، تستطيع الحكومة الكازاخية أن تعرض الخطوة بوصفها صفقة تنموية استثمارية، لا خروجاً عن ثوابت وطنية أو دينية.
يأتي انضمام كازاخستان أيضاً في سياق تنافس أميركي صيني على المعادن النادرة والطاقة والممرّات التجارية في آسيا الوسطى. تقول واشنطن لدول المنطقة إن التقارب معنا يمرّ عبر الاتفاقات الإبراهيمية، ولم يكن مفاجئاً أن يتزامن الإعلان مع توقيع تفاهمات أميركية كازاخية حول المعادن الحرجة والاستثمار في البنية التحتية والذكاء الاصطناعي. في المقابل، يشكّل هذا التطوّر بالنسبة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل محاولة للهروب من مواجهة الاستحقاقات الصعبة أخلاقياً وسياسياً: وقف الاستيطان، إقامة دولة فلسطينية، وضع القدس، وقف الإبادة الجماعية في غزّة وإعادة الإعمار... بدل الاقتراب من هذه الملفّات/ الاستحقاقات، تُستعرض "نجاحات" في ساحات آسيا الوسطى، الأبعد.
قد يُقرأ في واشنطن انضمام كازاخستان حركةَ إنعاش لمسار الاتفاقات الإبراهيمية، تلك الاتفاقات التي نجت من حرب غزّة لكنّها خرجت مثقوبة الشرعية، فرغم الغضب العالمي من مجازر الاحتلال في غزّة، بقيت علاقات الإمارات والبحرين والمغرب مع إسرائيل قائمة. يمكن للبيت الأبيض أن يقول إن المسار مستمرّ، وإن التطبيع مع إسرائيل لا يزال خياراً "معقولاً" لدى بعض الدول. ويوظّف ترامب شخصياً هذه الخطوة دليلاً على عودة "أمجاده": أول دولة في ولايته الثانية، وأول توقيع بعد حرب غزّة، مع وعدٍ مبطّن بأن دولاً أخرى تقف في "الطابور" خلف كازاخستان. لكن حتى مصادر إسرائيلية وأميركية وصفت الخطوة بأنها رمزية إلى حدّ كبير: دولة بعيدة جغرافياً عن مسرح الصراع، تربطها بإسرائيل علاقات قديمة، لا تغيّر شيئاً في معادلات المنطقة، ولا تفتح أجواء عربية جديدة أمام الطيران الإسرائيلي، ولا تضيف وزناً سكّانياً عربياً إلى معسكر التطبيع. لا قيمة لمضمون الاتفاق بحد ذاته، القيمة الحقيقية في وظيفته الدعائية، في ظل عزلة إسرائيل الدولية.
كانت الجائزة الكبرى منذ 2020 تطبيع سعودي إسرائيلي... تباطأ هذا المسار قبل حرب غزّة، ثم تجمّد بعدها عملياً، إذ ظلّت السعودية تربط انخراطها في الاتفاق بإطار دفاعي مع واشنطن وبرنامج نووي مدني بضمانة دولية وأفق سياسي حقيقي للفلسطينيين أقله اعترافاً بدولة فلسطينية، وإنهاء بعض أكثر سياسات الاحتلال فجاجة. ترفض حكومة اليمين الإسرائيلي دفع هذا الثمن، وأظهر الرأي العام الإسرائيلي معارضة واسعة لربط التطبيع بالاعتراف بدولة فلسطينية. وزاد اندلاع الحرب على غزّة الطين بلّة، حين فجّر غضباً شعبياً عربياً وإسلامياً ودولياً، جعل كلفة توقيع أيّ اتفاق مع إسرائيل باهظة شعبياً، خصوصاً لدولة بحجم السعودية ومكانتها عربياً وإسلامياً. لذلك، يصبح الأسهل على واشنطن أن تعلن "انتصاراً" في أستانة (نور سلطان) لا في الرياض.
يتكثّف "السلام" كلّما ابتعد عن المكان الوحيد الذي يحتاج سلاماً حقيقياً: فلسطين. ما يحدث مع كازاخستان إنجازٌ في هامش المشهد لا في متنه، عنوان جميل في خطاب ترامب، لا نقطة تحوّل استراتيجية.