إفلاس المعنى
إعلان لمهرجان الجونة السينمائي على ساحل البحر الأحمر في مصر (23/10/2025 Getty)
1- مهرجان الجونة: عودتنا النخبة المرفهة من القوى الناعمة جداً، وخصوصاً نجوم ونجمات الصفوف الأولى والعاملين في حقل إنتاج المعرفة السينمائية كل آن على تلك المشاهد، حتى وإن غدر الزمان والظرف الإنتاجي ببعضهن أو بعضهم، إلا أن الشهرة تظلّ عصا الساحر التي تعيده، أو تعيدها شابّة كما الزمان الأول، والشعوب المسكينة، وخصوصاً التي لا تقرأ غالباً تتعطش على تلك الإطلالات، أو الحركات المكشوفة، أو المعدّة سلفاً لمكايدة الخصوم من المحرومين من تلك الحياة بالقرب من روقان البحر وزرقته، وخصوصاً إذا كان الضيف لا يدفع من حرّ ماله شيئاً، حتى ثمن مقعده في الطائرة التي تحتار في عدد حقائب النجمات الثقيلة مع الكاميرات وأدوات المكياج، والذي منه، ولكن بما أن غرامة صاحب الحفل لا تكلفه إلا القليل من ثروته، فلا بد أن تكون الفشخرة على أصولها، وخصوصاً أن المحروم غالباً يحتمي بالدين والعادات والفقه وأصول الشريعة، وأسس التربية في مجتمع شرقي، حتى وإن تمت الليالي بالقرب من البحر، وبالقرب من تخوم قارّة أخرى لا لها ولا عليها إلا عملات السياحة والروقان في أيام أسود من قرن الخرّوب.
نحن أمام مهرجان للسينما صحيح، ولكن السينما غابت وظهرت الفساتين ولبلبة وغيرها بجوار حسين فهمي وهو على أعتاب التسعين ومن حوله الحسان، فلماذا لا يغضب المحروم، حتى وإن احتمى بالشرع وغرام الذهب قد حلق في السماء، فلماذا مثلاً، لا يقوم ساويرس بزواج جماعي لألف فقيرة من عموم مصر الأكثر فقراً كل مهرجان؟ وعلّه سيجد عند ذلك فتاة تصلح لسد فراغ ليلى علوي وفساتينها. وبصدق، سيفرح النظام بذلك أشد الفرح، وسيكون ذلك ضربة معلم بالفعل، فعلى الأقل سيوفر على النظام تعب وفلوس "الألف عربية فول"، تلك التي تاهت وسط المشاريع العظيمة.
2- الشهرة: أعرف أن للشهرة ضريبة كبيرة على من يصل إليها، فما بالك بمن يفقدها، وخصوصاً في بلاد يأتيها الفرح والسرور بالنبي وأهله، فكيف تتوانى نجمة أو نجم في حضور مهرجان به كاميرات العالم كما يقال، حتى وإن ظل بلا سينما أو أفلام، وأعرف أن انكسار الضوء عن النجم أو النجمة في بلاد تعمل بها الشهرة والسينما والمسلسلات والبرامج وكل الفلوس والرحلات "بمنافيلا السلطة" وأوامرها من دبي شرقاً حتي طنجة غرباً، وأعرف أن رأس مال النجم يتآكل بفعل العمر والرياح وتناقص الفرص ونقص المعروض وفقر الدماء في عروق الصناعة بعدما تحول العالم إلى مسلسلات رمضانية لإطالة عمر السلطة في بلاتوهات التصوير، وأفلست كل المعاني الأخرى، سواء في حياة البسطاء والفقراء والسعي وراء اللقمة، وكان هؤلاء البسطاء هم زاد السينما قديماً من أربعينيات حتى بداية موجة السبعينيات من القرن الماضي وظهور أفلام المقاولات "التي للأمانة نتحسّر عليها الآن". ورحم الله سعيد صالح وفيلمه البسيط الذي كان بطله ملحن وصاحب أغنية وحيدة "علي ورور"، فمتى يعود علي ورور بفيلم على شاكلته، كي يرفع عنا غمّة الفساتين والبطانات الطائرة؟
3- النماذج الإنسانية: وأنا أمشي في الشارع رأيت امرأة بسيطة جداً تقود "تريسيكل"، وترتدي فوق الإيشارب البسيط كاباً، ووراء ظهرها في "التريسيكل" ذلك الطفل الشقي، هو بالتأكيد ابنها يحاول أن يخطف عروسة قطنٍ من أخته، وأخته تنادي على أمها المسرعة بالتريسيكل وتضحك. قال لي أخي: "النهار كله تلف لشراء الخردة والبلاستيك ودمها عسل". حاولت أن ألمس المعنى في ذلك، فقبضت عليه بسهولة متناهية، امرأة جميلة تبحث عن رزقها طوال النهار بالتريسيكل، كي تكسب قوت يومها، علّها مطلقة وقد تركها زوجها إلى ليبيا، علّه في البيت، أو علّ الزوج قد مات في ليبيا من دون أن تدري، علّها أي شيء، إلا أن لها معنى تبحث عنه وتتعب فيه وتعيش به وله، من دون أن تطير البطانة، أو ينشقّ الفستان من أصله بفعل هواء الجونة. وأشير على الأخ ساويرس أن ينتج لهذه السيدة فيلماً بشرط أن يصوره في بلد فقير كالهند، إن تعنّدت السلطات بحجّة الأمن القومي، أو الحرص على عدم جرح مشاعر الفقراء في بلادنا، وبلادنا تحرص على ذلك حرصاً شديداً.