ابني الذي مات مرَّتَين

07 يناير 2026

(هاشمي عامر)

+ الخط -

عندما التقاها أحدُ الصحافيين، وهي تجلس على أرضيّةِ إحدى القاعات في مدرسةٍ تعرّضت للقصف مراتٍ في شمالي غزّة، ألقى عليها سؤالاً كانت إجابته أربع كلمات: "كان حُلماً واستيقظتُ منه".
لم تُخبره بقصّتها كاملةً، وبأنّها كانت فعلاً في حُلمٍ جميل. امرأةٌ مثلها، كانت في سنّ الخطر كما أخبرتها الطبيبة، وكانت في سنّ العنوسة كما أخبرتها عيون الناس من حولها، حتى أقربهم إليها، قالت لها الطبيبة إنّ عليها أن تتزوّج لكي تلحق بفرصتها الأخيرة لتصبح أمّاً، وهي على أعتاب الأربعين من عمرها.
وهكذا عملت بنصيحة الطبيبة، وقبلت الزواج برجلٍ في الستّين بعد وفاة زوجته. وقد لمحت في وجوه من حولها أنّ فرصتها في الإنجاب ضئيلة، لأنّه لم يُنجب من زوجته المُتوفّاة، لكن كان لديها إيمانٌ داخليٌّ بأن حلمها سوف يتحقّق، وستصبح أمّاً. وقد حدث ذلك فعلاً، ولم يُصدّق الخبرَ أحدٌ، حتى جارتها العجوز التي تمضي طيلة وقتها جالسةً في قارعة الطريق الضيّق المؤدّي إلى المخيّم، وكأنّها تستقبل الأخبار الشاردة والواردة من موقعها. فقد سألتها بجرأة: "هل صحيحٌ ما سمعته أنّكِ حملتِ حملاً كاذباً؟". لم تردّ عليها، لكنّها أشارت إلى بطنها، وطلبت منها أن تجسَّه بكفّها المرتجفة المجرّدة. ففعلت، وتيقّنت أنّ روحاً تنبض، وجسداً يكبر، في داخلها.
... وهكذا مرّت الأيّام تباعاً، وتحقّق حلمها بطفلٍ جميل، وبيتٍ صغير، رغم ضيق الحال وتداعي صحّة الزوج. ولم ترَ في الدنيا سوى ابنها، الذي أطلقت عليه اسم "طيف"؛ لأنّه كان بالنسبة إليها طيفاً طالما راود مخيّلتها صحواً ونوماً، حتى أصبح حقيقة.
انتهى الحلم. تجلس على أرضيّةٍ مهدّمةٍ وباردة، وبينما ترى الصور أمامها غير واضحة، ترى صورته واقفاً أمامها، يناديها بأجمل كلمة: "أمّي". كلّ يومٍ تراه في الصباح، ومع شروق الشمس تحديداً، بينما ينام النازحون حولها ويتململون استعداداً ليومٍ شاقّ، بحثاً عن الحطب أوّلاً لإشعال النار وطبخ ما تيسّر من طعام. لكنّها لم تكن تفعل مثلهم؛ كانت تنتظر أن ترى طيفه يملأ فراغ الباب المهشّم، ويناديها، ثمّ يغيب، فيظلّ بصرها معلّقاً نحو الباب حتى يمضي النهار، وهي لا تفعل شيئاً سوى أن تلوك بعض الطعام الرديء الذي تدسّه إحداهنّ في فمها شفقةً عليها.
مرّت سنةٌ ونصف سنة على انقطاع أخبار ابنها الوحيد. تتذكّر ذلك اليوم الذي ذهب فيه بلا عودة؛ فقد اضطُرّت، مع باقي أهل الحيّ، للنزوح من شمال غزّة نحو الوسط. وتحت وقع القصف، سحبته من يده، وهو يُبدي رفضاً ويصرخ بأنّه يريد أن يبقى في البيت الصغير الذي تركه الأب بعد رحيله.
قال لها رغم صغر سنّه (لم يُكمل عامه العشرين): "لن أذهب كي أُهان". لكنّها سحبته بكلّ قوّتها، وأصبحا في خيمةٍ باليةٍ مع آخرين، غير أنّه غافلها ذات صباح، وصرخ بها وهي تضطجع على حشيّةٍ متآكلة الأطراف: "سأعود إلى بيتنا مهما كان الثمن".
انطلق طيف، وأصبح طيفاً. فقد وصلتها الأخبار بأنّ الجنود الرابضين في خطّ السير المتّجه من وسط القطاع إلى شماله لمنع أيّ أحدٍ من العودة، قد أطلقوا عليه النار، فأُصيب في مقتلٍ على الفور. لكنّ أحداً لم يستطع انتشال جثمانه، وتلقّت العزاء فيه للمرّة الأولى.
ومرّت أيّام تلو أيّام وهي تنتظر العثور على أيّ أثرٍ له، حتى عثر أحد الأشخاص على بقايا عظامٍ وملابس، وانتُشلت من بينها بطاقةُ هويّةٍ تحمل اسمه، واستطاع بالكاد قراءته. وبينما كان ذلك الشخص يجمع الحطب، جمع عظام طيف، وحملها إلى المستشفى. وأُخبرت أمّه بأنّه عُثر على ما تبقّى منه.
وهنا، أجابت الصحافيّ الذي سألها عن شعورها وهي تدفن بقاياه. فأجابت ودموعها تسقط على الأرض المهدّمة: "كان حُلماً واستيقظتُ منه".
ملاحظة: القصة حقيقية، وقد عُثر على جثمان الشاب قبل أيّام.

دلالات
سما حسن
سما حسن
كاتبة وصحفية فلسطينية مقيمة في غزة، أصدرت ثلاث مجموعات قصصية، ترجمت قصص لها إلى عدة لغات.