اغفر لنا خطايانا

23 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 02:46 (توقيت القدس)

(فادي يازجي)

+ الخط -

سألت طفلاً في السابعة من عمره عن أغنيته المفضّلة فقال: "كتاب حياتي يا عين". فمرّت سيرة حياتي أمام عين الذكرى مرّ السحاب، وتذكّرتُ خملى خوص الركاب وأوجرا، وأني عشت حياة كلّها كنايات وتوريات حذراً من السلطان، حتى إني فكّرت في كتابة سيرتي بعنوان "أحجية دافنشي"، وقصّة خسارتي أجمل صبية في الكون بسبب الحبّ الرمزي الصلب، وأزعم أني برعت في الرموز والإيماء، فقد نشأت وسط شوك القتاد، وليس في الحلية. الرمز قوقعة الحلزون المسكين.

كنت أُستدعى إلى فروع الأمن السياسي، لأفسّر لهم رموز عباراتي في مقالاتي المنشورة، وكان رئيس الفرع يثور غضباً مني لأني أكتب بالرموز والكنايات، ثمّ سألني من أين لك هذا وهو يشير إلى معطفي، فقلت هذا معطف غوغول، فلم يعرفه؟ فحكيت قصّة معطفه، فوصف القصة بأنها معادية لروح الثورة وخالية من البشائر. لاحقاً، ظهر لي شبح رئيس الفرع في الكوابيس وأمسى يطاردني في الواقع مثل شبح معطف غوغول.

وسألني إن كنت أقبض أجور مقالاتي بالدولار، وكنا نكنّي الدولار الأستاذ جو تطيّراً من ذكر اسمه المحرّم الذي يورط ذاكره في تهمة الجاسوسية، فقلت: أصدقاء لي موفدون إلى الخليج يقبضون مكافآت قصصي، ثمّ يعطونني بدلاً منها عملة سورية طاهرة شريفة عفيفة في عطلة الصيف، فأراد معرفة أسمائهم، فذكرت له أسماء أدباء ماتوا وتوفّاهم ربّهم أحراراً وقد ولدتهم أمهاتهم عبيداً.

سعيت إلى شراء تلفزيون، وكانت السوق السورية جائعةً لكلّ الأمتعة، فتطوّع صديق لي بإرشادي إلى مهرّب تلفزيونات يكنّى "أبو زركا"، سأجده في مقهى شهرزاد، صفته كذا، ولم تكن كلمة السرّ "خالتي تسلّم عليك"، لأن خالتي لا تسلّم على الغرباء، كانت العلامة: جئنا طالبين يد الآنسة ليلى لأخينا الأستاذ قيس، وكانت العلامة مأخوذة من أغنية عبد الوهاب: "قيس ابن عمي عندنا".

كانت حياتنا كلّها آثام ومخالفات قانونية: التبغ مهرّب، والتلفزيون مهرّب، والطحين مهرّب، والحياة رموز، والدولار شبهة وتهمة، فقد كانت الصحف الاشتراكية السورية تهجو الإمبريالية والنفط والزيت والجلّابيات. وعندما اندلعت الثورة نجوت بنفسي إلى بلاد الفرنجة من القوم الظالمين، وكنت أحوّل بعض المال الذي أكسبه إلى أهلي بطرق سوداء، في سلسلة مثل سلاسل التوريد الصينية، خوفاً من رقابة "الكاوبوي يونيون"، ثم إنَّ "أبو زركا" أحضر لي تلفزيونياً ملوّناً من نوع كرونديك، فشكوت إليه بعد أيام أنَّ ليلى غير عذراء، فهي تكهرب مشغّلها وتصعقه، فقال لي: هذا أفضل حتى لا يعبث به الأولاد، فقلت: ليس عندي أولاد، فقال: شغّله بعود أو البس قفّازات في أثناء التشغيل، وكنت كلّما لمست ليلى لأسمع نشرة الأخبار من مذيعين جهام عوابس كالليوث العنابس، تكهربت وارتعدت رعدة الموت.

ثمّ دارت الأيام فاندلع "الربيع العربي"، وكانت سنة الثورة المصرية من أعظم السنين بركةً وفضلاً، فالمثقّفون في الفضائيات يتحدّثون بصراحة، والوفود الأوربية تتوارد على مصر لزيارة ميدان التحرير ومحاصرة التجربة أو دراستها، أمّا أنا فكنت لا أزال في عصر الرموز، وأجد صعوبةً في العيش في بحبوحة الحرية، فقد اعتدت الكنايات والغمز.

عندي مجموعة قصص غير منشورة محروزة بالرموز على طريقة كليلة ودمنة ولافونتين وإيسوب، ثمّ إنَّ السّنة الثورية الفاضلة لم تدم طويلاً، فما لبث الانقلابيون أن خدعوا الثوار، واستولوا على الحكم، فعدت إلى قواقع الرموز ولثام الكنايات التي لم أكن قد فارقتها.

حُوربت بعد "طوفان الأقصى" الحسابات الناشطة في وسائل التواصل، فانحسر التواصل بين الناشطين ومتابعيهم، وأصبح لفظ إسرائيل و"حماس" مشبوهين، ومعرّضين لخوارزميات الحواجز الطيّارة، فنحا الناشطون والكتّاب إلى تصحيف اسميهما، تعوّذاً من حجب المنشورات أو طرق الوصول والبلاغ، فصار اسم إسرائيل "إبرائيل" أو "إضرائيل" أو "إخرائيل" أو "الأزرق"، و"حماس" اسمها؛ "طماس" و"خماس" أو "الأخضر"، وإن جاز تصحيف اسم "حماس" أدبياً وسياسياً ودينياً، فإنَّ إسرائيل لقب نبي من أنبياء الله الكرام، وهو الاسم الثاني لسورة الإسراء، ويأثم مصحّفه قصداً، لكن الضرورات تبيح المحظورات، فهي تقيّة، وقد أباحها الله، وإنّ في المعاريض لمندوحة عن "الصدق"، فاغفر لنا يا علّام الغيوب، تعرف ما في الصدور، اغفر لنا "خطايانا".

أحمد عمر
أحمد عمر
أحمد عمر
كائن يظنُّ أن أصله طير، من برج الميزان حسب التقديرات وطلاسم الكفّ ووحل الفنجان.. في بكرة الصبا أوعشية الشباب، انتبه إلى أنّ كفة الميزان مثقوبة، وأنّ فريق شطرنج الحكومة "أصحاب فيل"، وأنّ فريق الشعب أعزل، ولم يكن لديه سوى القلم الذي به أقسم" فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا..."
أحمد عمر