الإمارات وإسرائيل في أفريقيا
(Getty)
على الرغم من تركيز الإمارات نشاطها في منطقة شرق أفريقيا، والاهتمام تحديداً بالدول الواقعة على البحر الأحمر والمحيط الهندي، إلا أنها أيضاً وسّعت اهتمامها في الأعوام الأخيرة بمناطق أخرى في القارّة. وحسب تقارير نشرتها صحيفة فاينانشال تايمز، استثمرت الإمارات في العقد الأخير وحده أكثر من مائة مليار دولار في أفريقيا، ما يزيد ثلاثة أو أربعة أضعاف على الاستثمارات السعودية في الساحة نفسها. بل تحدثت تقارير أن أبوظبي تعهدت في عامي 2022 و2023 وحدهما بتقديم استثمارات تبلغ 97.3 مليار دولار في القارّة (52.8 ملياراً في 2022، و44.5 ملياراً في 2023)، ما يعني تخطي التعهدات المالية الإماراتية داخل القارة الأفريقية عن العامين المذكورين إجمالي ما تعهدت به إنكلترا وفرنسا والولايات المتحدة والصين عن العامين نفسيهما. يضاف إلى ذلك كله ما ذكره موقع ذا أفريكا ريبورت عن سيطرة شركات إماراتية على نحو نصف موانئ القارّة، في تنفيذ لما يطلق عليه مراقبون "استراتيجية الأرخبيل" التي تقوم على السيطرة على الموانئ الرئيسية ومراكز الخدمات اللوجستية، فضلاً عن توطّن عشرات آلاف الشركات الأفريقية في دبي، ما جعل الإمارات تصنّف لاعباً رئيسياً في شرق أفريقيا وغربها، وقادرة على منافسة النفوذ الاقتصادي الصيني. وإلى جانب الموانئ، تتركّز أنشطة الإمارات في القارّة السمراء في قطاعات التعدين والموارد الطبيعية والطاقة المتجدّدة والزراعة، وهو ما يعكس رؤية تبحث عن تثبيت الحضور في مفاصل القارّة الأفريقية.
غير أن قراءة هذا الحضور الاقتصادي بمعزل عن أبعاده الجيوسياسية تبقى ناقصة. فالموانئ ليست مجرّد استثمارات تجارية، بل نقاط ارتكاز استراتيجية تتحكّم في سلاسل الإمداد وخطوط الملاحة الدولية، خصوصاً في الممرّات الحيوية، مثل مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس. ومن هنا يصبح التمدّد الإماراتي مثلاً في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر جزءاً من تصور أوسع للأمن القومي، يقوم على الربط بين الاقتصاد والأمن، وبين المرافئ البحرية والقدرة على التأثير السياسي. كذلك إن تنويع الشراكات في مجالات الطاقة المتجدّدة والزراعة يمنح أبوظبي أدوات نفوذ طويلة الأمد داخل اقتصادات أفريقية تعاني من هشاشة البنية التحتية والحاجة الماسّة إلى التمويل.
ومنذ اندلاع حرب التحالف الخليجي في اليمن ضد الحوثيين، أولت الحكومة الإماراتية اهتماماً خاصاً بمنطقة شرق أفريقيا والبحر الأحمر، فزادت نفوذها في هذه المنطقة تحديداً إلى جانب منطقة الساحل الأفريقي، فوقّعت مذكّرات تفاهم أمنية استراتيجية لمحاربة "الإرهاب"، وتقديم التدريب العسكري مع ثماني دول في شرق القارّة ومنطقة الساحل: الصومال، بونتلاند، إثيوبيا، تشاد، موريتانيا، مالي، المغرب. وحسب دراسة نشرها المعهد الإيطالي لدراسات السياسة الدولية في مايو/ أيار 2024، يتبع التدخّل العسكري الإماراتي ثلاثة أنماط رئيسة: مكافحة الإرهاب، التعاون الدفاعي مع الدول الأفريقية، والتدخل في مناطق النزاع بالدعم العسكري للجهات المسلحة غير الحكومية، وإن نفته أبوظبي. يضاف إلى ذلك ما ذكرته الدراسة نفسها عن تطوير الإمارات، منذ منتصف العقد الماضي، مخططاً مرناً للمواقع العسكرية في عدة دول أفريقية، منها مصر وليبيا وإريتريا وأرض الصومال وبونتلاند والصومال وتشاد. كذلك قدّمت الدعم للحكومة الإثيوبية في حرب تيجراي (بين عامي 2020-2022)، وكانت المحرك لأنشطة مليشيات الدعم السريع في السودان، علاوة على ما قامت به سابقاً من تقديم مساعدات أمنية للحكومة الصومالية في حربها ضد حركة الشباب الإسلامية، قبل أن تتوتر علاقة البلدين في الشهور الأخيرة. فضلاً عن رفع مستوى تعاونها الأمني مع تشاد وأوغندا وكينيا وتنزانيا وموزمبيق والكونغو الديمقراطية ودول أخرى في غرب أفريقيا ووسطها، بما يعكس انتقالها من شريك تمويلي إلى فاعل أمني مباشر يسعى للتأثير في معادلات القوة المحلية والإقليمية.
الموانئ ليست مجرّد استثمارات تجارية، بل نقاط ارتكاز استراتيجية تتحكّم في سلاسل الإمداد وخطوط الملاحة الدولية
يلفت الانتباه هنا إلى أن هذا التوسّع الكبير في نفوذ الإمارات يضعها في مصاف من يسعى لإنشاء إمبراطورية، تجمع بين المال والقواعد العسكرية والشبكات المحلية. وفي هذا السياق، تتردد مقولة دبلوماسي غربي: "إذا أردتم فهم ما تفعله الإمارات في أفريقيا، فاقرأوا كتاب المؤرخ الاسكتلندي ويليام دالريمبل "الفوضى" (The Anarchy) الذي يتناول كيفية استيلاء شركة الهند الشرقية البريطانية على الهند.. إنها الخطة نفسها التي تنفذها الإمارات". صحيحٌ أن هذا التشبيه لا يخلو من المبالغة، لكنه يعكس إدراكاً متنامياً بأن أدوات النفوذ الحديثة لم تعد تعتمد على الاحتلال المباشر بالضرورة، بل على بناء منظومات مصالح معقدة تجعل انسحاب الدولة صاحبة التمويل الضخم، كالإمارات في هذه الحالة، مكلفاً للدول المضيفة.
مثل هذا الانتشار الواسع، حين يرتبط بتقديم الدعم للكيانات أو الحركات الانفصالية، والسيطرة على الموانئ، وتحديداً الواقعة على البحر الأحمر والقرن الأفريقي، يثير الريبة الكبيرة؛ وخصوصاً في ظل تعاون استراتيجي وعسكري كبيرين بين الإمارات وإسرائيل في السنوات الماضية. ومن المفيد هنا الإشارة إلى احتمال أن يكون هذا التطابق الاستراتيجي في المصالح بين أبوظبي وتل أبيب أحد أسباب التوتر السعودي الإماراتي، وما نتج منه من تقارب سعودي باكستاني تركي. وهو ما قد يؤدّي إلى أن يتحدّد مستقبل المنطقة، وفق الباحث الأميركي أنطونيو بهاردواج، من خلال التنافس بين كتلتين متبلورتين: تحالف إسلامي سني ناشئ يرتكز على السعودية وباكستان وتركيا، وتحالف أبراهامي يضم إسرائيل والإمارات، وهو تحالف يُظهر تماسكاً متزايداً في الأهداف السياسية والتنسيق العسكري والتكامل الاقتصادي.
ومن هذه الزاوية تحديداً، يمكن فهم أفريقيا ساحة تلاقٍ للمصالح الإماراتية الإسرائيلية؛ فالقارّة محط اهتمام إسرائيلي كبير، سواء في شمالها حيث التنافس على غاز شرق المتوسط، أو في شرقها حيث ممرّات الملاحة البحرية الاستراتيجية بالنسبة إلى إسرائيل، فضلاً عن أنها فضاء مفتوح للتنافس مع إيران وتركيا وقطر. وحين تتقاطع الحاجة الإماراتية إلى التكنولوجيا العسكرية والاستخبارية مع رغبة إسرائيل في كسر عزلتها الإقليمية وتوسيع حضورها في أفريقيا، يتشكل نمط من الشراكة يتجاوز التطبيع الدبلوماسي إلى إعادة هندسة موازين القوى في مناطق مختلفة من القارّة، بما يخدم المصالح المتطابقة.
صارت أبوظبي مدخلاً لتل أبيب في مناطق كثيرة
وتؤكد دراسات إسرائيلية عدة هذه التوجهات؛ منها دراسة نشرها معهد العلاقات الإسرائيلية الأفريقية العام الماضي بعنوان "عهد أبراهام في أفريقيا؟ تصاعد التأثير الإماراتي في الساحة الأفريقية وتداعياته على إسرائيل"، للباحث أشير لوبوتسكي المتخصص في الشأن الأفريقي، تظهر حرص الإمارات على الإضرار بالمصالح الإيرانية في القارّة وسعيها للتصدّي لخطر الحوثيين، ومكافحة ما يسميه الباحث "الإرهاب السُّني". وحسب الكاتب، تسمح اتفاقية أبراهام لتل أبيب وأبوظبي بتحقيق أهداف مشتركة، كذلك فإن الأخيرة قادرة على فتح آفاق جديدة أمام إسرائيل للتواصل مع دول وجماعات قد يتعثر عليها الوصول إليها. وفي مقابل ذلك يمكن للإمارات استغلال خبرات إسرائيل الاستخبارية والأمنية، وقدراتها التكنولوجية المتقدمة من أجل تمكين أبوظبي في مجالي مكافحة الإرهاب وتهريب البضائع الإيرانية. وينطبق الأمر نفسه على الصعيد الاقتصادي؛ إذ يمكن للاستثمارات الإماراتية أن تتكامل مع الخبرات الإسرائيلية لتعزيز نفوذ البلدين في القارّة. ويضيف لوبوتسكي أن الولايات المتحدة تفضل أن يصبح النشاط الإماراتي الإسرائيلي المشترك قادراً على سد الفراغ الذي يخلفه تراجع نفوذها في أفريقيا، من أجل مواجهة التوسّعين، الصيني والروسي، ما يمنح هذا التقاطع بعداً دولياً أوسع. كذلك فإن هذه الشراكة بين البلدين تفتح آفاق التطبيع أمام إسرائيل في أفريقيا عموماً، ومنطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي بشكل أدق. وفي هذا السياق تحديداً، يمكن تفسير مسألتين: الأولى اتفاق الإمارات مع سلطات "أرض الصومال" للسيطرة على ميناء بربرة، وإنشائها قاعدة عسكرية فيه، كانت جزءاً من العمليات الإسرائيلية في مواجهة الحوثيين، وهي خطواتٌ تعمّق تقسيم دولة الصومال، وتتناقض جذرياً مع تأكيد أبوظبي الرسمي دعم وحدة أراضيها. وتتعلق المسألة الأخرى بالاعتراف الإسرائيلي باستقلال أرض الصومال، على أساس أن ذلك يوفر لها موطئ قدم في منطقة استراتيجية بالغة الأهمية لإسرائيل.
وكان تقرير لموقع ميدل إيست أي، نُشر في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، قد أفاد بأن القواعد الإماراتية في جزيرة سقطرى اليمنية وفي الصومال أوجدت حلقة سيطرة على خليج عدن ومنطقة القرن الأفريقي، وأن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا شريكتين للإمارات بشكل كامل، سواء في إنشاء هذه القواعد أو توسيعها، وأن ضباطاً إسرائيليين كانوا موجودين على الأرض فعلياً، إضافة إلى نصب أنظمة رادار إسرائيلية وأجهزة عسكرية وصواريخ اعتراضية لتمكين الإمارات وحليفتيها من مراقبة أي هجماتٍ على إسرائيل وإحباطها. هذا إلى جانب أن الإمارات وإسرائيل تشاركان في منصة استخبارية تعرف باسم "الكرة الكريستالية"، وفق تعاون متطور للغاية بدأ حتى قبل اتفاق أبراهام، لكنه ظل طيّ الكتمان، قبل أن تظهر ملامحه إلى العلن مع اتساع نطاق التنسيق الميداني.
ما سبق يعني أن العلاقات بين إسرائيل والإمارات لم تعد مجرد تنسيق في مجال بعينه، وأنها تخطّته إلى أبعد بكثير، فصارت أبوظبي مدخلاً لتل أبيب في مناطق كثيرة، وباتت الأخيرة شريكاً أمنياً وتقنياً يرفد التحرّك الإماراتي بأدوات إضافية للنفوذ، واتحدت أهداف الدولتين في القارّة حتى وصلت إلى حد التطابق.