التقسيم في دول المشرق
من الصعب الاعتقاد أن سورية ستذهب إلى التقسيم. لا يعود السبب إلى انعدام النيّات التقسيمية أو حتى الدافع الدولي إلى ذلك، بل أيضاً لأن النموذج العراقي، المولود من الغزو الأميركي عام 2003، بات الأكثر قبولاً غربي بغداد. هناك قناعة في دمشق وفي واشنطن أن سورية الموحّدة، بصيغة عراقية، تبقى مفتاحاً للتوازن الداخلي والإقليمي. في الداخل تكون الإمرة لدمشق مع حرية محدودة لا تصل إلى صيغة الحكم الذاتي، لمَن يسكن شرقي الفرات، الذين تمثّلهم حالياً "الإدارة الذاتية" المنبثقة من قوات سوريا الديمقراطية (قسد). تلك الصيغة الداخلية يُمكن رسم مثيل لها في الجنوب السوري، في السويداء مثلاً. بذلك تبقى الجغرافيا السورية موحّدة ضمن هامش من استقلالية لا انفصالية ولا حكم ذاتي.
سيُكمل هذا النموذج مسار تركيز السلطات في يد الحكومات المركزية، مع بعض المرونة. وهو في الأساس ما تريده دولٌ عربيةٌ، وتركيا والأميركيون والأوروبيون. لا مجال هنا لتغيير خرائط الشرق الأوسط ولا "سايكس بيكو". وضمن منطق الحكومات المركزية، بات موضوع "الجيش الواحد" ملحّاً لمنع تعدّد القوى والفصائل في الدولة الواحدة. ومن شأن التركيز في عدم تقسيم سورية، أن يستجرّ تأكيد عدم تقسيم العراق ولبنان، وغيرهما من الدول العربية، بما فيها اليمن، الذي سبق أن كان منقسماً، ومن الصعب إعادة تفكيكه لحسابات أكبر من صنعاء وعدن وحضرموت.
لذلك، نجاح التفاوض بين "قسد" ودمشق، وعدم الانجرار إلى قتال ألمح إليه مراقبون، سينقل النسق الحواري إلى بغداد وبيروت بالدرجة الأولى، سواء في ما يتعلّق بـ"الحشد الشعبي" أو بحزب الله، على عكس ما قد يتصوّره كثيرون. هناك مصلحة بالربط مع الحكومات المركزية، لأن كل شيء سيمرّ بها: الأموال، المساعدات، الدعم، الشرعية الدولية... في مقابل تراجع إيراني تمويلاً ونفوذاً. مع أن مثل هذا السيناريو يُفسح المجال للتفكير في أن السطو على الحكومة المركزية، قد يعني ممرّاً إلزامياً للتعاطي الدولي مع الانقلابيين، إلا أن الأمر ليس بالضرورة أن يتم على هذا النحو. الانقلابيون يحتاجون أيضاً إلى تمويل، وإلا يُطَحْ بهم بانقلاب آخر. ها هم انقلابيو عديد من الدول الأفريقية، الذين يشهدون هجماتٍ مرتدّة على حكمهم من مالي إلى بوركينا فاسو، على وقع عقوبات دولية وعزلة خارجية.
ومن شأن تمكّن الحكومات المركزية من تأمين الإنماء المتوازن بين أقاليم الدولة المحافظة على ولاء تلك الأقاليم، وكسر أي ذهنية استقلالية. في سورية، إن الحاجة إلى توزيع عوائد الاستثمار بين مختلف المحافظات لم تعد مجرّد شعار في بيان وزاري أو تعهد برلماني ورئاسي، بل أساس ديمومة النظام الناشئ، بعد مرور أقلّ من عام على وجوده. أمّا في العراق، فإنه بقدر ما تكبر التفاهمات بين بغداد وأربيل، بما يكفل أولوية الحكومة المركزية، تضمحلّ أيُّ أفكار استقلالية كالتي واكبت استفتاء الاستقلال لإقليم كردستان في 25 سبتمبر/ أيلول 2017. أما ما يخص لبنان، فإن مجرّد تخيّل تقسيم لم يتحقّق خلال الحرب اللبنانية (1975 ـ 1990)، يعني اندثار طبيعة الوطن اللبناني، وتحوّل شعوبه مُلحقين بدول أخرى، وسط فراغ لن يملأه سوى إسرائيل، لا سورية ولا قبرص دولتَين جارتَين للبنان.
وهو ما يعني أن الفوضى التي صاحبت الاحتلال الأميركي للعراق في 2003، خصوصاً حلّ الجيش العراقي، كان درساً مؤلماً أدّى إلى تفكّك حكومة مركزية، وأفضى إلى نشوء فصائل سعت إلى اغتنام الفرصة والتمسّك بالسلطة. هذا السيناريو لن يتكرّر لا في سورية ولا في لبنان، مهما كان ضجيج الحرب عالياً. العبء الاقتصادي والاجتماعي الهائل في دول المشرق أضحى أكبر من أن تتحمّله مجموعات مشرذمة، بل إن ذلك يعني فناءها وذوبانها في دائرة موت متسارعة، بينما اتحادها لمواجهة ما نجم من ضرر اقتصادي بفعل تفشّي وباء كورونا، والغزو الروسي لأوكرانيا، كفيل بإبقائها في قيد الحياة.