الجمال فعلاً مقاوماً

24 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 02:43 (توقيت القدس)

(يوسف عبدلكي)

+ الخط -

لم يعد الجمال في هذا العصر ضرورةً، ولم يعد السعي إليه حاجةً إنسانيةً ملحّةً تحمي العقل من الوقوع في فخّ القباحة السهلة والروح الفردية والجمعية من الابتذال. تحوّل الجمال اليوم ترفاً مشبوهاً واستعلاءً نخبوياً وانفصالاً عن الواقع، تحوّل تعالياً على كوارث الشعوب. ففي وسط هذا الفيض من أخبار الحروب والقتل والموت والدم والحصار والجوع والفقر والتشرّد، التي تحاصرنا حتى في غرف نومنا، يصبح التفكير ببعض الجمال بمثابة الخيانة. أيُّ شيء تفعله بقصد إضافة مساحةٍ ولو صغيرةً من الجمال في هذا الدفق من القباحة اليومية، فأنت متّهم بالترف، وبأنك نخبوي تتعالى على العامة وتنأى بنفسك عن كوارثهم.

ينبغي أولاً أن نقول إن الجمال هو طريقة في النظر إلى العالم، هو الزاوية الأهم في رؤية العالم. فأن ننتبه إلى شجرة وحيدة في صحراء أو إلى صوت امرأة تغنّي في قلب المقبرة أو إلى ضحكة طفل وسط الصمت هو انحياز للحياة، هو استعادة قدرتنا على العيش رغم كلّ ما يهدّد عيشنا، هو إعادة المسطرة إلى توازنها فلا يتغلّب الخبز على الورد ولا طُهر السنابل على عبقه، فلا توجد أيّ قيمة لحياة لا تنحاز إلى جمال الموسيقى أو العمارة أو الطبيعة بقدر انحيازها إلى رغيف الخبز. تكمن في الانحيازين قيمة الحياة. فالجمال هو الذي سينقذ العالم، لأنه وحده يذكّرنا بأن في الإنسانية ما يستحقّ البقاء والخلود.

هناك دائماً من يصنع فجوةً بين الجمال بوصفه إحدى القيم العليا والانحياز إلى الشعوب المُضطهَدة. وهذا لم يأت مصادفةً، بل عبر نشاط طويل للأنظمة الشمولية والأحزاب الأيديولوجية والمؤسّسات الدينية لقمع حرّية الفرد التي تليها حرّية أفراد وتليها حرية المجتمع. يرتبط الجمال بالحرية، هذا قول لا جدال فيه، فالجمال يحتاج إلى فيض من الحساسية لا تتوفّر من دون الحرية التي تنحاز إلى الذائقة الشخصية وإلى القدرة على الاختيار الواعي، بينما ما تسعى إليه الأيديولوجيا إلى نفي الذائقة الشخصية لصالح ذائقة عامة ملتزمة، ورفض الاختيار لصالح الخضوع. هكذا ظهر ما يمكن تسميته الجمال الملتزم، وهو جمال يخدم الاستبداد بأشكاله كلّها. جمال لا مساحة فيه للإبداع الفردي ولا للخيال ولا للاختلاف، هو في الحقيقة جمال مُشوَّه أو قبح مُحسَّن فُرض بالتدريج حتى أصبح سائداً، وأصبح الخروج عنه بمثابة الخروج على الجماعة الجادة والمُطيعة.

في توصيف شديدة البلاغة يقول الفيلسوف والشاعر الأميركي هنري ديفيد ثورو: "إدراك الجمال هو امتحان أخلاقي"، فلا يمكن تمثّل قيم الإنسانية إن كنّا غير قادرين على فهم أهمية الجمال، أو على المساهمة في مدّ المساحة له على كوكب الأرض وفي الوجدان البشري الجمعي بعد الفردي. الحقّ والعدالة والمساواة والصدق والحرية هي قيم جمالية أخلاقية أولاً، وهي القيم التي يسعى الاستبداد السياسي والديني لنفيها تماماً، لأن تكريسها يعني نقل المجتمعات خطوةً واسعةً نحو التغيير الإيجابي، نحو الحرية الحقيقية التي تعاديها العقائد الشمولية.

والحال أن عالم اليوم شديد القسوة، مليء بالعنف، عالم استهلاك يفرضه اقتصاد السوق العالمي، كل شيء بات فيه سلعةً رخيصةً، حتى دم الضحايا. ما نعيشه اليوم هو منتهى القباحة. لذا، فإن التمسّك بالجمال هو فعل مقاومة ضدّ الانهيار الأخلاقي، والنفسي، الذي تسببه القسوة والعنف والتسليع، خصوصاً أن الجمال الحقيقي اليوم مهدّد من الخراب الناتج من الاستبداد والعسكرة والسلاح والتطرّف والعنف، ومهدّد من الابتذال الذي تفرضه معايير الاستهلاك المُعلَّبة والمُصنَّعة، والتي تنتمي إلى عالم ما بعد الحداثة التكنولوجية، حين يكون كل شيء مُفترَضا ومُؤطَّرا ضمن معاييرَ ومقاييسَ محدّدة صارمة، تزيد في الفجوة بين قدرة البشر على الوصول إليها وسعيهم لذلك. التمسّك بالجمال ليس ترفاً مشبوهاً ولا معاداة للعامة، ولا يتعالى على مآسي الشعوب. هو عكس ذلك تماماً، محاولة لإعادة بوصلة الحياة نحو جهتها الصحيحة، نحو قيمها الحقيقية، فكلّما فقد الإنسان حساسيته تجاه الجمال، أصبح أكثر قابليةً للتطبيع مع القبح والظلم والعنف، ذلك أن الشعوب التي تربّى على القبح تربّى أيضاً على الخضوع وعلى رفض الحرية.

BF005AFF-4225-4575-9176-194535668DAC
رشا عمران

شاعرة وكاتبة سورية، أصدرت 5 مجموعات شعرية ومجموعة مترجمة إلى اللغة السويدية، وأصدرت أنطولوجيا الشعر السوري من 1980 إلى عام 2008. تكتب مقالات رأي في الصحافة العربية.