الحرب التي عادت وكأنها لم تغادر
عائلة فلسطينية بعد قصف إسرائيلي في مخيّم النصيرات وسط قطاع غزّة (22/11/2025 فرانس برس)
في لحظةٍ واحدةٍ ذهبت أكثرُ من 25 روحاً، بعد خديعةٍ كبيرةٍ اسمُها الهدنة، وانتهاءُ الحرب، والحديثُ الزائفُ الطويلُ والمكرَّرُ عن التخطيط لبدء حياةٍ جديدةٍ للناس البؤساء في تلك المنطقة التي أوغلت فيها يدُ الخراب والدمار والموت حتى تعبت. لنا أن نتخيّل أن أيدي الموت تشعر بالتعب، وهذه خديعةٌ كبرى أخرى حين ننام في بقايا البيت وأشلاء حياةٍ مبعثرةٍ كانت ذات يومٍ مرتَّبةً بسيطةً هادئة، ولكننا معاً، وهذا يكفي، نمسك بأيدي بعضنا بعضاً كلَّ ليلة، ونحلم بيومٍ جديدٍ سيكون أجمل من كلِّ الأيام القاتمة التي مرّت، وما أكثرها. ولكن أيضاً ليس هذا كله إلا سراباً بقيعة، لأن روحك (باختصار) ستُزهَق على مذبح الوهم الذي جرى تصديره بكلِّ جدارةٍ وإتقان إلى العالم.
في لحظةٍ قُتِلت عائلةٌ كاملةٌ مكوّنةٌ من أبٍ وأطفالٍ وعدّة أبناء، ولم يَبقَ حيًاً منهم سوى طفلةٍ ذاتِ أعوامٍ عشرٍ، لكي تكتمل المأساة ويكتب الذين يمتهنون الكتابة عن الإبادة، عن "الناجي الوحيد" الذي يبقى كغصنٍ تتقاذفه الرياح في ليلةٍ عاصفة. ولكن، هذه المرّة، لو أرادوا الكتابة عن الناجي الوحيد بعد وهمِ توقّفِ الحرب، عليهم أن يكتبوا كيف ترك حلمَه معلّقاً بين يدي أمّه التي رتّبت الملابس القليلة، وملأت الإناء بالماء، وتأكّدت من إحكام الغطاء على بضعة أرغفة، وحاولت أن تستلقي فوق حشيةٍ رقيقةٍ بين جدرانٍ متصدّعة، وهي تمدّ بصرَها نحو أيامٍ ستأتي وتمحو هذا الكابوس من ذاكرتها؛ ولم تكن تعرف أن لحظةً واحدةً سوف تكتب اسمَها بين أسماء عائلةٍ أُبيدت بالكامل، ولم يَبقَ فيها سوى ناجٍ وحيد.
في لحظةٍ واحدةٍ تعود الحرب وكأنها لم تغادر؛ تجلس فوق كومةٍ من أنقاض بيت، وتتساءل، في سخريةٍ، عن القلوب التي اعتقدت أنها لا تزال تقاوم، وعن الضحكات العالقة بين الركام وحبال الخيام التي ظنّت أنها قد نجَت، وعن الحب الذي ظلّ يتنفس بين قلبيْن رغم موت المدينة، وعن السماء التي لا تهطل إلا أسباباً جديدةً للموت، والأرضِ التي لا تبتلّ إلا بالدم، والتي لا تُثمر إلا وجعاً جديداً.
هكذا تعود الحرب إلى أناسٍ يشعرون بأنهم خارج إطار الزمن، وأن العالم قد توقّف عندهم، فأدلى لسانَه نحو أفراحهم الصغيرة وأمنياتهم العابثة الساذجة، وقرّر، في لحظةٍ واحدة، أن يقلب كلَّ شيء، وأن يلهو معهم وبهم، وأن يهديهم ضياعاً جديداً ومبتكراً، يجعل إحساسَهم بالزمن معدوماً، حيث تصبح الساعات والدقائق بلا قيمة في ظلّ هذا الموت المبتكر المسرعِ بلهفةٍ نحوهم، والذي أحال أمنَهم إلى صراخٍ دائمٍ يشقّ عنان السماء كلما أراد الطغاةُ أن يمارسوا لعباً مقيتاً على أنقاض أرواحهم؛ فتتحوّل حياتُهم القادمة إلى ضبابٍ ممتدٍّ بلا نهاية، وحيث لا ضوءَ في نهاية النفق، بل إن التاريخ يتوقّف ويتلكّأ لئلا يكتب فجيعةً لا يمكن وصفها إلا في حكايا جدةٍ خَرِفةٍ تريد نوماً ممزوجاً بالكوابيس لحفيدٍ صغيرٍ ظنّ أن حضنها هو النجاة ومفتاح الجنة الآتية في نومٍ هانئ.
في لحظةٍ واحدةٍ تُزهَق أرواحٌ بريئة، وينعى الناعي، من بعيد، من ظنّ أنهم قد نجَوا، ويسخر الموت من ظنّه، ويُسرِع حاملاً منجلَه الذي يحصد به الرؤوس، لكي يكون قريباً دائماً كما وعد الطغاة، أو كما اعتاد أن يفعل، كي يحقّق لهم شَبَقهم الغريب والمريض للدم والوجع والفقد. وكأن هؤلاء الناس، الذين ظنّوا أنهم قد نجَوا، كانوا لعبةً تتحرّك أمام ناظري طفلٍ افترش الأرض وأمسك بجهازِ توجيهٍ صغيرٍ بين أصابعه الرقيقة، حتى إذا ما فرغت طاقةُ الجهاز ترك كلَّ شيءٍ مبعثراً فوق الأرض الملساء، وأخلد إلى النوم غير عابئٍ بأمنيةِ لعبةٍ زاهيةِ اللون أن تصل إلى لعبةٍ أخرى، فتحتضنها وتنام معها في نهاية النهار في جارورٍ دافئ. وتكتشف، كحال لعبةِ الحرب، أنها تعود بعد أن أكّدت بصوتٍ مرتفع أنها قد غادرت، لكنها تركت البابَ موارباً لكلّ أسباب الموت المتلصّصة.