الدراما التاريخيّة بين المكايدات وجلد الذات
أثار مسلسل "معاوية"، منذ بداية عرضه في شهر رمضان، جدلاً كبيراً في الفضاءَين الإعلامي والافتراضي، بين مؤيّدين ومعارضين لفكرة المسلسل، الذي بلغت قيمته الإنتاجية رقماً فلكياً، وتناول شخصيّة مؤسّس الدولة الأموية، معاوية بن أبي سفيان، وما تخلّل أحداثه من التعرّض لأحداث الفتنة الكُبرى، التي شبّت نارها بمقتل الخليفة عثمان بن عفّان، وظلّت متواصلة نحو 30 عاماً، مثّلت حدثاً مفصلياً في التاريخ الإسلامي، وانتهت بانتقال نظام الحُكم من خلافة شورية إلى ملكية وراثية، وقد اختلط في أحداثها ما هو ديني بما هو سياسي، مع حضور واضح للعصبيّة القَبلية، وطبيعة العلاقة التنافسية بين الفرعين الهاشمي والأموي من بني عبد مناف.
كان اللافت في المشهد الجدلي، ذي الطابع الاستقطابي، استحضار الماضي لخدمة ما يشهده الحاضر، مع حضورٍ طاغٍٍ للتحيّزات الأيديولوجية في العصر الحديث، في قراءة ما حدث في الماضي القديم، فقد حرص كلّ طرفٍ على التخندق في الموقع نفسه من دون محاولة إعادة النظر في محتوى رؤيته، أو إعادة قراءة التاريخ بقدر من العقلانية والموضوعية، فهناك فريق أضفى على التاريخ الإسلامي بكلّ مراحله هالةً من التقديس، وجرّده من طابعه البشري مع موجة حنينٍ جارفٍ لعودة دولة الخلافة الإمبراطورية، التي سقطت منذ قرن، وأمست في ذمّة التاريخ. وفي المقابل، جاء فريق آخر وتبنّى قراءةً استشراقيةً لفصول تاريخنا، جنحت إلى التدنيس المشوب بنظرة احتقار لأحداثه وأبطاله، فكانت قراءته أشبه بمحاكمات غير نزيهة، وأقرب ما تكون إلى عملية جلدٍ متواصلة للذات.
انتهز بعض "التنويريّين" الفرصة التي سنحت بعرض مسلسل "معاوية"، وانهالوا بسهامهم طعناً في التاريخ الإسلامي
البداية مع الفريق الثاني، فقد انتهز بعض التنويريّين (إيّاهم) الفرصة التي سنحت بعرض المسلسل، وانهالوا بسهامهم طعناً في التاريخ الإسلامي، ووصموه بالدموية، وواصلوا معزوفتهم النشاز القديمة التي ترى أن الإسلام انتشر بحدّ السيف، وأن الفتوحات الإسلامية تمثّل حركة احتلال بقوة السلاح، ونقطةً سوداء في تاريخ المسلمين ينبغي التبرّؤ منها، وأن تلك الحقبة لا تستحقّ سوى إهالة التراب عليها. العجيب أن كتاباتهم "التنويرية"، التي ما فتئت تطعن بشدّة في شخصياتٍ، من أمثال خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وطارق بن زياد وصلاح الدين الأيّوبي وسيف الدين قُطز، هي نفسها التي تتناول بأحرّ عبارات الإكبار والتمجيد شخصياتٍ من أمثال نابليون وكليبر وكرومر، وغيرهم. والمفارقة أن كتاباتهم حربٌ ونارٌ على كلّ ما هو إسلامي، وبردٌ وسلامٌ على كلّ ما هو غربي، ما يحمل دلالات ناطقة بطغيان ازدواجية المعايير على التقييم، وبشعور دفين في جَلد الذات يمثّلان مدى احتقارهم ذاتهم الحضارية، ورغبتهم الجامحة في الانسلاخ منها.
ثمّة حدثان لافتان وقعا في بريطانيا خلال السنوات الماضية يستحقّان النظر. الأوّل في صيف عام 2020، حين ثار جدل في بريطانيا بشأن إزالة تماثيل رموز تاريخيّة، عندما انتقد بعضهم التاريخ الاستعماري لبريطانيا. حينذاك، وقف رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، بوريس جونسون، ودافع بشدّة عن الزعيم البريطاني ونستون تشرشل، الذي قاد بلاده إبّان الحرب العالمية الثانية. وقال جونسون، إن بريطانيا لا يمكنها تغيير قاعدتها الحضاريّة وتاريخها المُعقّد، فإن ذلك من شأنه تشويه ماضيها. وكتب جونسون في صحيفة ذا تليغراف البريطانيّة: "إذا بدأنا تطهير السجلّ وحذف صور الجميع، باستثناء أولئك الذين تتفق مواقفهم مع مواقفنا، فإننا بذلك نشارك في كذبة كبرى وفي تشويه تاريخنا". ودافع جونسون عن تشرشل قائلاً، "إنه لمن السخف، وممّا يبعث على الأسف، أن يتعرّض تمثال رئيس الوزراء السابق لأيّ خطر".
تفخر بريطانيا وتعتزّ (أيّما اعتزاز) بماضيها وتاريخها الاستعماري من دون أدنى خجلٍ، وفي هذا قدر واضح من الاتساق مع الذات التاريخية والحضارية البريطانية بصفة خاصّة
وفي سياق آخر، حملت مراسم تتويج الملك تشارلز الثالث (نهاية صيف 2022) مظاهر الاعتزاز والاحتفاء المَلكي بالتاريخ الاستعماري البريطاني، وبالتقاليد العريقة الراسخة للمملكة البريطانية، ذات الطابعَين، الديني والتاريخي معاً، التي تعود إلى نحو ألف عامٍ، من خلال العلَم الذي حمله الحرس المَلكي البريطاني (كولد ستريم) في مراسم التتويج التي جابت شوارع العاصمة لندن، وقد تقدّم أحد حرّاس كتيبة كولد ستريم الموكب حاملاً العلَم الملكي، الذي يتميّز بأنه يحمل أسماء 47 من أصل 117 معركة خاضتها كتيبة كولد ستريم على مرّ التاريخ، ومنها معركة التلّ الكبير، المعروفة في تاريخ مصر الحديث. تُعدّ "كولد ستريم" أقدم فوج في الجيش البريطاني، وخاضت الكتيبة معارك عديدة في تاريخها تحت قيادة الجيش البريطاني، في سياق توسيع رقعة الإمبراطورية البريطانية. ومن بين تلك المعارك معركة التلّ الكبير، التي شاركت فيها الكتيبة في عام 1882، وانتهت بهزيمة الجيش المصري بقيادة أحمد عُرابي، ووقوع مصر تحت سنابك الاحتلال البريطاني وتصفية الثورة العُرابية. وقد ظهرت مصر في ذلك العلَم الملكي مُستعمَرةً خاضعةً للتاج البريطاني، وظهر بوضوح اسم "التلّ الكبير"، كما ظهرت صورة لتمثال أبو الهول، باعتبار أن انتصار الإنكليز في تلك المعركة التاريخية كان بمثابة الخطوة الأولى التي مهّدت لاحتلالهم مصر فترةً جاوزت سبعة عقود.
النقطة اللافتة في المشهدَين أن بريطانيا تفخر وتعتزّ (أيّما اعتزاز) بماضيها وتاريخها الاستعماري من دون أدنى خجلٍ، وفي هذا قدر واضح من الاتساق مع الذات التاريخية والحضارية البريطانية بصفة خاصّة، ومع التركيبة النفسية الغربية بصفة عامّة. المفارقة الطريفة أن أصواتاً غربية انتقدت التاريخ الاستعماري البريطاني، مثل المؤرّخ البريطاني ساتنام سانجيرا، الذي قدّم نقداً (في كتابه "إمبايرلاند... كيف شكّلت الإمبريالية بريطانيا الحديثة؟") لتاريخ الإمبراطوريّة البريطانيّة، وتأثير الحقبة الاستعماريّة في المجتمع البريطاني، موضحاً أن الإمبراطورية تأسسّت على غزو وإخضاع الشعوب الأصلية، وعندما ظهرت المقاومة في المُستعمرَات، وتحوّلت حالةَ تمرّد وعصيان، كانت الأعمال الانتقامية شرسةً، ومثّلت بداية سلسلة طويلة من القمع الوحشي. وقال سانجيرا، إنه يجري مهاجمة المؤرّخين الذين يتعاملون بحيادية مع ظاهرة الاستعمار، لأن هناك من يطالبهم بتشجيع الفخر بتاريخ بريطانيا الاستعماري.
في المقابل، التزم تنويريّون الصمت، وابتلعوا ألسنتهم إزاء مشهد التتويج البريطاني، فما نبس أحدهم ببنت شفة، ولم يصدّع رؤوسنا بالحديث المكرور عن "الظلاميّة"، وتلك المراسم القديمة المُتخلّفة التي تقبع في غياهب التاريخ.