الذاكرة السالبة بين لبنان وسورية
كاتب وصحافي لبناني، محاضر في الإعلام وسياسات الشرق الأوسط، أصدر وأشرف على إصدار عدة كتب.
منذ مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، تحفل وسائل الإعلام اللبنانية المختلفة بمعطيات ومعلومات عن مجموعة مطالب تقدّمت بها السلطات السورية الجديدة إلى لبنان، منها تسليم ضبّاط ومسؤولين سوريين محسوبين على النظام السابق. وفيما لم تحسم بيروت أمرها، ولا يبدو أنها في الطريق نحو إعلانٍ سالبٍ أو موجبٍ حيال مطلب التسليم. فالنقاش الدائر في أروقة النخبة، وفي مقاعد المتجادلين في العاصمة اللبنانية، يستعيد تاريخاً حافلاً بمطالبة دمشق بقوائم السوريين الفارّين إلى بيروت منذ الانقلاب السوري الأول الذي قاده حسني الزعيم في 30 مارس/ آذار 1949، وصولاً إلى انهيار نظام الرئيس بشّار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024.
في ذاكرة الانقلابات والمنعطفات الزلزالية التي عرفتها سورية بعد استقلالها، يتصدّر الزعيم الريادة الانقلابية، إذ استعجل بانقلابه إغلاق المجال السياسي والتضييق على الحياة الحزبية. وصوّرت صحيفة الاتحاد اليسارية الفلسطينية (11/4/1949) المشهد العام السوري بقولها: "يفد إلى لبنان العديد من العائلات السورية الفارّة من حكم حسني الزعيم". وفي "الجيش والسياسة في سورية"، لبشير زين العابدين، ورد أن الزعيم أمعن في استرضاء الدول الغربية، وفي أسبوع واحد اعتقل 400 شخص مشتبه بانتمائهم إلى الحزب الشيوعي، "واضطرت قيادة الحزب إلى الالتجاء إلى لبنان".
لم يطل استواء حسني الزعيم على عرش السلطة، فقد أسقطه اللواء سامي الحنّاوي في 14 أغسطس/ آب 1949، أي بعد خمسة أشهر من تقويض التجربة الديمقراطية السورية الوليدة. ولم تكن أحوال السوريين مع الحنّاوي وانقلابه الثاني في التاريخ السوري أقلُّ اضطراباً ممّا سبقه، وقيل إن الحنّاوي كان يبتغي اتحاداً مع العراق، فعاجله أديب الشيشكلي بانقلاب أزاح مشروعه في 19 ديسمبر 1949. ولما تمكّن الشيشكلي واستأثر بالحكم واستحكم، راحت موجات الهجرة السياسية إلى لبنان تعرف مدّاً لا يعقبه جزر. ويقول محمّد معروف في "أيام عشتها"، وهو أحد أصحاب اليد الطولى بانقلاب الحنّاوي والمنقلب عليه بانقلاب الشيشكلي، إن جماعة الأخير أخرجته قسراً إلى بيروت في 8 سبتمبر/ أيلول 1950. ومن ضمن الذين أُخرجوا من ديارهم إلى لبنان ومن جَنّة الانقلاب الثاني، سامي الحنّاوي نفسه، والمقدم محمود الرفاعي، والمقدم عصام مريود: "وقد واكبتنا ثلة من الشرطة العسكرية والمكتب الثاني (جهاز الاستخبارات) حتى الحدود السورية ـ اللبنانية". في بيروت، وكما يُسهب معروف، التقى على حين صدفة بالعقيدين عدنان المالكي (شريك حسني الزعيم في انقلابه الأول) وأكرم عكر، مدير الإشارة بالجيش السوري. وكان الشيشكلي قد أخرج المالكي من الجيش وضبّاطاً آخرين. وفي صدفة ثانية، التقى معروف بالمقدّم صلاح البزري، وكان أكرم الحوراني (مؤسّس الحزب العربي الاشتراكي والمندمج مع حزب البعث لاحقاً) قد سرّحه من الجيش حين أدار وزارة الدفاع.
وفي مذكرات الحوراني قصص وحكايات حول لجوئه إلى لبنان إثر كل انقلاب عسكري كان يُلهب السوريين، ويورد في الجزء الثاني من مذكّراته كيفية فراره إلى لبنان في عهد الشيشكلي بعدما ضاقت السبل به ورفيقيه صلاح البيطار وميشال عفلق، فاستقرّ الرأي على "مغادرة سورية واللجوء إلى لبنان، وقد تعهد الأستاذ صلاح بترتيب أمر لجوئنا عن طريق الزبداني، ومن هناك سرنا في الجبال الوعرة المغطاة بالثلوج، وطالت المسيرة أكثر من ثماني ساعات، أشرفنا بعدها على سهل البقاع ونزلنا في قرية كفر زبد، وغادرنا صباحاً إلى (مدينة) زحلة ثم إلى بيروت. وشاهدنا أحد محرّري جريدة الدستور، فأذاعت الجريدة نبأ فرارنا من نظام الشيشكلي".
في مذكرات أكرم الحوراني قصص وحكايات حول لجوئه إلى لبنان إثر كل انقلاب عسكري كان يُلهب السوريين
ومن بين اللاجئين إلى لبنان رئيس الحكومة السورية الأسبق معروف الدواليبي، وعلى ما يروي أحد مؤسّسي حزب البعث جلال السيّد، في كتابه حزب البعث العربي، أن قيادة الحزب اتخذت قراراً بالنزوح من سورية في عهد الشيشكلي فلجأت إلى لبنان. وفي هذا الوقت، كانت دمشق تمارس ضغطاً عالي المستوى على بيروت لإخراج الحوراني وعفلق والبيطار منها، كما جاء في رواية محمّد معروف، وفي شهادة عبد اللطيف يونس في كتابه "شكري القوتلي تاريخ أمة".
ومثل ما تهاوى انقلابا الزعيم والحنّاوي، حلَّ المصير نفسه بانقلاب الشيشكلي رغم طول عمره نسبياً، فدارت الدورة عليه في 24 فبراير/شباط. فغادر العاصمة السورية مع شقيقه صلاح إلى بيروت. وفي مذكّرات معروف الدواليبي: "أذيع بيان الجيش بدعوة الشيشكلي إلى حقن الدماء والتخلّي عن الحكم، عندئذ أحسّ الشيشكلي أن الجيش تخلّى عنه، فغادر إلى بيروت في 25 فبراير 1954.
بعد الشيشكلي، عادت التجربة الديمقراطية إلى سورية، لتتوقف عجلتها مع الوحدة المصرية ـ السورية عام 1958. وحين سقطت الوحدة سنة 1961، لم يسترجع السوريون ما كانوا عليه قبلها، فتناوبت عليهم الانقلابات والمحاولات الانقلابية الفاشلة إلى أن حلّ يوم الثامن من مارس 1963 حين قبض البعثيون على السلطة، وراحت معها الشقوق والتشقّقات تتوسّع في الجسد السوري مترافقةً مع مزيد من النزوح السياسي إلى لبنان. ومن رموز هذا اللجوء أكرم الحوراني، كما يشير في الجزء الأول من مذكّراته، وفي الجزء الرابع يتحدّث عن عودته إلى سورية في مايو/أيار 1966، بعد انقلاب صلاح جديد على أمين الحافظ، غير أن السلطات الانقلابية الجديدة اعتقلته في مطار دمشق وأبعدته إلى جزيرة قبرص، ليعود منها إلى لبنان.
واجهت الحكومات اللبنانية المتعاقبة مطالب سورية بتسليم المعارضين والفارّين
وكما كان أمر الحوراني مع الانقلابيين وهو منهم، ومع المُنقلَب عليهم وهو منهم أيضاً، فصلاح البيطار كان أمره مساوياً. إذ بعدما تولى رئاسة الحكومة أكثر من مرّة بين عامي 1964 و1965، ففراره إلى لبنان كان بعد انقلاب فبراير 1966 واستيلاء صلاح جديد على السلطة. ومعه غادر أمين الحافظ ومنيف الرزاز. ولما انعقد المؤتمر القومي التاسع لحزب البعث في دمشق، رماهم الانقلابيون بأقذع النعوت. ووفقاً لصحيفة الحياة البيروتية (1/11/1966)، فقد حمل المؤتمر على "عفلق والرزاز والبيطار واللواء أمين الحافظ واتهمهم بالتحالف مع السياسيين المنحرفين والمغامرين العسكريين، وطالب بقيام جبهة وطنية في لبنان لمواجهة المخططات الاستعمارية على سورية". ونشرت "الأهرام" المصرية (1/3/1966) مواقفَ للبيطار يؤكّد فيها خصومته مع "البعث"، وأعادت صحيفة الجريدة اللبنانية التذكير بها (10/11/1967) مع إضافات خصّها بها البيطار.
تفيض مذكّرات القادة السوريين بالحديث عن الملاذ اللبناني، ويقول قائد قوى الأمن الداخلي مطيع السمّان في "وطن وعسكر" إن من السوريين الذين لجأوا إلى لبنان: "الرئيسان شكري القوتلي وناظم القدسي، ومن رؤساء الوزارات لطفي الحفار وخالد العظم وصبري العسلي ومعروف الدواليبي ومأمون الكزبري، وكذلك أكرم الحوراني ورشيد كيخيا وميخائيل ليان ومنير العجلاني ورشاد جبري وصلاح البيطار، وعمر أبو ريشة ونادر الكزبري وغيرهم الكثير من السياسيين والحزبيين والعسكريين".
ومن طرائف ما يقول السمّان أن رئيس جهاز الاستخبارات اللبناني أنطوان سعد طلب منه إدخال عسكريين لبنانيين إلى الأراضي السورية لضبط الحدود المشتركة، فُرفض الطلب. فمازحه سعد: "ليس لك إلا لبنان حين تقع الواقعة". فردّ السمان: "عندها سأذهب إلى كل بلدان العالم، ولن آتي إلى لبنان"... يختم السمّان قائلاً: "لجأت إلى لبنان في ما بعد".
كاتب وصحافي لبناني، محاضر في الإعلام وسياسات الشرق الأوسط، أصدر وأشرف على إصدار عدة كتب.