الذكاء الاصطناعي... أسطورة القرن الحادي والعشرين؟
(Getty)
إذا كان القرن العشرون قد عرف أسطورة "الآلة" التي وعدتنا بالتحرّر من الجُهد وفتح أفق السيطرة على الطبيعة، فإن القرن الحادي والعشرين يبدو مفتوناً ببدعة جديدة، هي الذكاء الاصطناعي الذي يُقدَّم معجزةً تكنولوجيةً أشبه بمرآة نودّ لو نرى فيها نسخةً محسّنةً من الإنسان. هكذا يتعدّى الذكاء الاصطناعي مجرّد أن يكون مشروعاً تقنياً، ليتحوّل حلماً فلسفياً متعدّد الأبعاد، فلطالما حلم الإنسان بإمكانية فهم التفكير، إعادة برمجته، تسويقه وإنتاجه، من خلال صنع مخلوق يفكّر مثله. تلك هي نقطة التحوّل التي تجعل من الذكاء الاصطناعي "أسطورةً" تجمع بين الوعد بالخلود المعرفي والتهديد بالفناء الإنساني.
أجل، يَعِدنا الذكاء الاصطناعي بالمعرفة الكاملة، بالقدرة على التنبؤ، بالإبداع الذي لا يكلّ ولا يتعب، وبالذاكرة التي لا تعجز ولا تنسى. لكنه، في المقابل، يسلبنا أشياءَ جوهريةً في تكويننا مثل الخطأ والغموض والبطء، وكل ما يجعل التجربة الإنسانية تجربة حيّة. فهو، على سبيل المثال، لا يحلم ولا يجهل ولا ينفعل ولا يخاف، يُخاطبنا ويكتب مكاننا ويحلّل مشاعرنا، ذلك كلّه بدقّة تثير الإعجاب والقلق معاً، حيال معادلة جديدة للسلطة تختبئ تحت هذا البريق التقني وتجعل المعرفة مِلكًا للآلة التي تُنتِج البيانات وتقرأها وتفسّرها، وتنقل الذكاء من الدماغ إلى الخوارزمية، ومن الإنسان إلى الشبكة. وهنا لا بدّ من طرح السؤال: من تُراه يملك هذه الخوارزميات ومن يوجّهها؟ ففي عصر الذكاء الاصطناعي، لا تكمن الخطورة في استبدال الإنسان بالآلة، وإنما في استخدام هذه الأخيرة لإعادة تشكيل الإنسان، لغته، تفكيره ووعيه. والحال، يكثُر الحديث عن "نهاية العمل الإنساني"، تعبيراً عن خوفٍ قديمٍ ومتجذّر من أن يُسلب الإنسان جوهره، وهو خوفٌ يشكّل جزءاً من الأسطورة، لأن الذكاء الاصطناعي، كما صُمّم، ليس بديلاً عن الإنسان، بل نتيجة لطموحه المستمرّ في محاكاة ذاته.
ما نشهده اليوم ليس انتصاراً للآلة، بل انعكاساً لتاريخ طويل من محاولات الإنسان تجاوز إمكاناته، ذلك أن ما سمّيناه ذكاءً ليس ذكاءً بالمعنى الإنساني للكلمة. فالآلة لا تفكّر، ولا تفهم، ولا تعي ما تفعله، طالما تعمل بناءً على منطق الإحصاء، لا منطق المعنى الذي يمنح الفكر إنسانيته ويجعلنا دوماً، وبشأن كل شيء، نطرح السؤال: "لماذا؟".
مع ذلك، لا يمكن إنكار أن الذكاء الاصطناعي غيّر كل شيء: طريقة تفكيرنا وعملنا وكتابتنا، حتى تصوّرنا للحبّ والجمال والحقيقة. نحن نعيش اليوم في عالمٍ تهيمن عليه الخوارزميات إلى حدّ يجعلها تقرّر ما نقرأ، وما نرى، وما نرغب فيه. لقد أصبحت الوساطة الرقمية شاملةً إلى درجة أننا لم نعد نميّز أين تنتهي قراراتنا، وأين تبدأ برمجتها فينا. وهنا ربما يتجلّى البُعد الأسطوري، إذ ترانا نعبُد تقنيةً نعتقد أننا نستخدمها، وهنا يظهر الذكاء الاصطناعي ربّما بمعنى مزدوج: إنجازٌ علميٌّ حقيقيٌّ يفتح آفاقًا هائلة، لكنه أيضاً يعيد صياغةَ علاقتنا بذواتنا، كاشفاً هشاشتنا أمام ما صنعناه. تماماً كما في الأساطير القديمة، إذ يصنع الإنسان تمثالاً يخشى أن تدبّ فيه الروح، صنعنا اليوم عقلاً نرتجف حين يبدأ بالكلام. في النهاية، ينبغي القول إن الذكاء الاصطناعي "ليس أسطورةً" بمعنى الوهم، بل بمعنى المرآة الكبرى التي تعكس طموح الإنسان وحدوده. إنه أسطورة القرن الحادي والعشرين لأنه يختصر صراعنا الأزلي بين الرغبة في السيطرة، والخوف من فقدان الذات، وبهذا سوف يبقى، لزمن طويل، السؤالُ الذي يُربكنا أكثر ممّا يُجيبنا.
أخيراً، قد لا تكمن عبقرية الذكاء الاصطناعي في قدرته على التفكير، بل في قدرته، ربّما، على إجبارنا على التفكير من جديد.