الشرع وإسرائيل... امتحان الشرعية؟

19 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 03:39 (توقيت القدس)
+ الخط -

لطالما غابت الشفافية من أيّ محادثات سورية إسرائيلية نشطت تحت ضغط التوغلات والاعتداءات الإسرائيلية في الأراضي السورية بعد سقوط نظام الأسد. وبعودة هذا الملفّ إلى الواجهة مساء الأربعاء الماضي، يعلن الرئيس السوري أحمد الشرع أن المفاوضات الجارية مع إسرائيل قد تؤدّي إلى نتائج اتفاق أمني يمهّد لاتفاقات أخرى، مع تأكيده أن التطبيع ليس مطروحاً على الطاولة. تعكس هذه الشفافية المفاجئة قناعةً بأن الاتفاق بات قاب قوسين أو أدنى، يستبق وصول الشرع المنتظر لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ما يضفي على تصريحاته بُعداً سياسياً ودبلوماسياً إضافياً. رسمياً (ورغم ندرة التصريحات)، هدف المفاوضات المُعلَن مع الاحتلال التوصّل إلى اتفاق يضمن وقف الغارات الجوية الإسرائيلية وانسحاب جيش الاحتلال من مناطق توغلّه جنوبي سورية. ورغم تقارير متواترة أفادت بأن واشنطن تضغط على سورية للتوصّل إلى اتفاق قبل اجتماع نيويورك الأسبوع المقبل، نفى الشرع أي ضغوط أميركية، وقال إنّ واشنطن تلعب دور الوسيط لا أكثر. ويعكس هذا الفصل (الاضطراري) بين الأمن والسياسة إدراكاً مزدوجاً؛ فهناك حاجة سورية ماسّة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، مع عجز النظام الجديد عن تحمّل كلفة تنازلات حقيقية ينظر إليها الشارع السوري تفريطاً بالحقوق الوطنية والسيادية السورية عبر تطبيع متسرّع.

ثبّت لقاء الشرع ترامب في الرياض (مايو/ أيار 2025) تموضع دمشق ما بعد الأسد في المعادلة الإقليمية، وارتبط رفع العقوبات التنفيذية المفروضة على دمشق بخطواتٍ تجاه إسرائيل: طرد قادة فصائل فلسطينية والتضييق على نشاطاتها، منع تهريب السلاح الإيراني إلى حزب الله، وإظهار النيّات الحسنة... كانت المعادلة أمام السلطات السورية الجديدة أن "الطريق إلى الشرعية الدولية يمرّ عبر إسرائيل". في الوقت نفسه، جعلت الرياض احترام السيادة السورية شرطاً للتقدّم في مسار التطبيع مع الاحتلال، واضعة إسرائيل أمام معادلة معاكسة: لا تطبيع مع السعودية إذا استمرّت في التوغّلات والقصف داخل سورية. لكن إسرائيل استمرّت في تصريف فائض القوة؛ مئات الغارات والتوغلات البرّية منذ سقوط الأسد، وسيطرت على مواقع استراتيجية، مثل جبل الشيخ، ووسّعت عملياً المنطقة العازلة في تخوم الجولان، وكانت الرسالة: الأمن الإسرائيلي أولاً، والسيادة السورية ثانياً (إن تيسّر الأمر).

ومع أن الإعلان الدستوري المؤقّت أتاح للرئيس إبرام المعاهدات والاتفاقات الدولية، ولـ"مجلس الشعب" المصادقة عليها، يحاول الشرع بإعلانه أنّ لا تطبيع مع الاحتلال مراعاة الحساسية الشعبية في سورية، فأيّ تنازل سريع قد يفجّر الداخل السوري الهشّ، ويفقده شرعيته بين جمهور يعتبر معظمه فلسطين قضية العرب جميعاً (بحسب المؤشّر العربي 2025 الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)، كما أن المعادلة العربية (والإقليمية) تفرض على دمشق عدم الانخراط في اتفاقات بمعزل عن مبادرة السلام العربية (2002)، التي تشترط انسحاباً كاملاً من الأراضي المحتلة. يراهن الشرع على دعم أطراف إقليمية لا ترغب في تطبيع مجاني مع إسرائيل، بل في مقايضات مشروطة.

تفيد تجارب العقود السابقة بأن السلام السوري الإسرائيلي كان دوماً "شبه مستحيل"، رفضت تل أبيب الانسحاب من الأراضي السورية المحتلة وعرضت السلام مقابل الأمن أو التطبيع، وهو ما رفضه النظام الساقط. واليوم تريد إسرائيل أمناً بلا أثمان سياسية، بينما يسعى الشرع إلى سيادة من دون تطبيع. النتيجة المتوقّعة هدنة طويلة هشّة أو اتفاق فضّ اشتباك جديد، من دون تحوّل جوهري نحو تسوية شاملة. قد تضطر سورية لقبول منطقة منزوعة السلاح وبقاء الاحتلال في الجولان (وجبل الشيخ؟) وغضّ الطرف عن وجود إسرائيلي جنوباً. هذا يعني سيادةً منقوصةً وتفريطاً ضمنياً بالأرض. المطروح ليس "إدارة مؤقّتة للصراع" كما يوحي إعلان الشرع، بل تسوية قسرية تجمّد "جبهة" الجنوب وترضي واشنطن والرياض، وتمنح الشرع شرعية خارجية من دون أن تفتح الباب لتطبيع داخلي مرفوض.

سورية في أضعف لحظاتها تفاوض إسرائيل في ذروة قوتها وعدوانها، وأيّ اتفاق أمني في هذا المناخ لن يكون إلا على حساب السيادة السورية والقضية الفلسطينية، في غياب مشروع عربي يوازن الكفّة، ويمنع تحوّل سورية "حديقةً خلفيةً" لأمن دولة الاحتلال الإسرائيلي. سيواجه الشرع في الأيام المقبلة امتحاناً صعباً: كيف يوازن بين شرعية خارجية يسعى إليها، وداخلية مهدّدة باتفاقات أمنية قسرية؟