الشرق الأوسط: المعركة الكبرى لم تُحسم
بخلاف أمثلة تاريخية عديدة، بعد معارك وحروب ضارية تنتهي بنتائج سياسية واضحة، وتغيّر موازين القوى، والأهم تعيد ترسيم النظام الإقليمي في دول النزاعات؛ فإن الحرب على غزّة وما واكبتها من حروب مع محور الممانعة، وسقوط نظام بشار الأسد، وتحوّلات جيوسياسية كبيرة؛ لم تؤدِّ إلى ولادة نظام إقليمي جديد محدّد متوافق على موازين القوى وقواعد اللعبة فيه، بل ما تزال هناك حالة من السيولة وإعادة التشكيل والتفكيك في التحالفات الإقليمية بصورة كبيرة وجوهرية.
سيقول قائل إن هناك نتائج حُسمت لصالح إسرائيل بصورة جلية؛ تدمير قطاع غزّة، والقضاء على جزء كبير من البنية العسكرية لحركة حماس، وإنهاء حكمها هناك، وإضعاف إن لم يكن “شبه القضاء” على محور الممانعة، والتخلص من جزء كبير من قوة حزب الله، وتحجيم النفوذ الإيراني، بل هناك احتمالية لاستئناف محاولة القضاء على قدراته الصاروخية بتدخّل أكبر هذه المرة من الولايات المتحدة.
أكثر من هذا وذاك، ووفقاً لهذا المنظور، انتقلت الاستراتيجية الإسرائيلية من مرحلة الدفاع إلى فرض الهيمنة الأمنية والعسكرية على الجغرافيا السياسية، ولعب دور القوة الإقليمية الوحيدة، وهو ما يمكن ملاحظته بسهولة في العربدة الإسرائيلية في لبنان وغزّة والضفة وحتى في سورية، والضربة الصاروخية على قطر.
وبالرغم من وقف إطلاق النار في غزّة بضغط من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وإعلان نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس رفض ضم الضفة الغربية تأكيداً لوعد ترامب للحكام العرب والمسلمين؛ لا يعني ذلك أن الخلافات بين رؤيتي الإدارة الأميركية وحكومة نتنياهو جوهرية، بل هي تكتيكية وآنية، إذ يتنافس الطرفان فيمن يحقّق مصلحة إسرائيل أكثر؛ كما أنهما (إدارة ترامب وحكومة نتنياهو) يتموضعان ضمن أجندة الحركة المسيحية الصهيونية ورؤيتها الدينية للصراع في الأراضي المحتلة.
بالرغم من وجاهة الطرح السابق وواقعيّته، لا يتأطر إلّا في جزء من المشهد وتحولاته، وليس الصورة الكبرى؛ فالنتيجة المنطقية له أننا سنكون أمام هيمنة إقليمية إسرائيلية بمباركة ودعم أميركيين، وحالة خنوع أو استسلام وتسليم في المنطقة. وسيكون هنالك إقرار بأجندة إسرائيل في غزّة وقبول بضم الضفة الغربية وانضمام دول عديدة إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، كما بشّر ترامب نفسه. لكن الديناميكيات الحالية دوليّاً وإقليميّاً لا تشير إلى ذلك؛ فهناك متغيران رئيسيان يشكلان مساراً آخر: يتمثل الأول دوليّاً في حالة العزلة التي تعانيها حكومة نتنياهو وعودة القضية الفلسطينية إلى الأجندة العالمية، وتسونامي الاعترافات بالدولة الفلسطينية، وهو ما يشكّل تحولاً مهمّاً في الموقف الدولي على الأقل سياسيّاً ورمزيّاً، لكن أهميته تتمثل في نزع الشرعية عن سياسات حكومة نتنياهو. أما المتغير الثاني فيتمثل في تشكل مجموعة جديدة من الدول بات يُطلق عليها “المجموعة العربية والإسلامية” (السعودية، ومصر، والأردن، وقطر، والإمارات، وتركيا، وباكستان، وإندونيسيا)، والتي باتت تطوّر أجندة إقليمية لإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية مع إسرائيل، وتطرح أجندة للمرحلة المقبلة في مواجهة سياسات نتنياهو ومحاولته فرض الأمر الواقع في مستقبل غزّة وفي المنطقة.
تمثّل هذه المجموعة، العربية الإسلامية، تحوّلاً كبيراً في طبيعة النظام الإقليمي، خاصة أنها المرّة الأولى التي تدخل فيها دول إسلامية كبرى ومهمّة بصورة مباشرة إلى معادلة الشرق الأوسط منذ نهاية الدولة العثمانية؛ والولوج الحالي وإنْ ما يزال على الصعيد الدبلوماسي إلا أنه مؤثر سياسيّاً وتأخذه بالاعتبار القوى الدولية، خاصة إذا تمكّنت المجموعة الجديدة من تشكيل أجندة استراتيجية مدعومة بخريطة من المكاسب والكلف للتعامل معها من إدارة ترامب والقوى الأخرى.
الفكرة الرئيسية أنه بالرغم من الشعور بفائض القوة لدى نتنياهو، وبالرغم من تواطؤ الإدارة الأميركية معه، لم يؤدِّ الأمران مثلاً إلى تنفيذ مخيال ترامب حول “السلام الإقليمي” والتطبيع بالقفز على حل القضية الفلسطينية؛ كما أن محاولات الهيمنة الإسرائيلية أدّت إلى نتائج عكسية على مفهوم “الاتفاقيات الإبراهيمية” نفسه، وغياب محور الممانعة ولّد مجموعة أخرى بوزن سياسي واستراتيجي أكبر؛ إن لم يكن عسكريّاً فدبلوماسيّاً.