العالم كلّه في الدوحة

07 نوفمبر 2025

غويتيريس يلقي كلمته في القمة العالمية للتنمية الاجتماعية في الدوحة (4/11/2025 فرانس برس)

+ الخط -

تُرمى الأمم المتحدة بأنها منتدىً للكلام، وقوّتها معنوية، سيّما في هيئاتها ومنظّماتها ومؤتمراتها المتنوّعة المشاغل. ولكن هذا لا يُعيبها، لا يخرِم منطوقَها الإنساني وإجماعاتها الكونية في شيء، فبديهيٌّ أن أي قرار، ولو تسلّح بالقانون، يحتاج قوةً لإنفاذه، وليس من شرطةٍ أو قوةٍ عسكريةٍ خاصةٍ تفوّضها الأمم المتحدة بإنزال مرئيّاتها ومنظوراتها من عليائها النظري إلى الأرضي الطبيعي. وفي الأول والأخير، أيّاً تكن المؤاخذات عليها، الوجيهة منها والوجيهة إلى حدّ ما، الأمم المتحدة ضرورةٌ كبرى شديدة الأهمية للبشرية، وتدعيم حضورها وفاعليتها ومهمّاتها بالغُ الإلحاح، سيّما وأن دولاً كبرى، وذات مسؤولياتٍ عالميةٍ معلومة، تستهدفها وتنشط في إضعافها، لأغراض الفوقيّة والهيمنة، ولتسيير العالم بعيونٍ مصلحيةٍ لا تكترث بأي تداعياتٍ وتأثيرات. وإذ يُفصح دونالد ترامب عن رؤيةٍ تستضعف الأمم المتحدة، وتتعالى عليها، على ما يُثرثر، كما بدا في خطبته أمام الجمعية العامة في سبتمبر/ أيلول الماضي، فإنه، وإن تطرّف في هذا، لا يخرُج عن سياسةٍ انتهجتها جميع الإدارات الأميركية، الديمقراطية والجمهورية، وفي البال إن جون بولتون، لمّا عيّنه جورج بوش مندوبَ أميركا في المنظّمة الدولية، افتتح شغلَه هناك بالقول إن الأمم المتحدة بوجود الولايات المتحدة لا داعي لها.
الباعث على الاسترسال أعلاه ما انتهت إليه القمّة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية، والتي اختتمت أعمال أيامها الثلاثة أمس في الدوحة. ... كل ما قيل فيها، في مناقشات ودعوات وبيانات، سيما في "إعلان الدوحة"، أكثر من ممتاز، وأكثر من ملحّ، وله قيمته التي لا يجوز التهوين منها، من حيث الإجماع الكوني عليها، سيّما وأن القضايا التي جرى بحثها تتصل بعيش الإنسان في تفاصيل حياته وحقوقه في العمل والطبابة والتعليم والعدالة الاجتماعية. وإذ تضيف قطر رصيداً مقدّراً إلى مكانتها الدولية المتزايدة، حضوراً وفاعليّة، في استضافتها هذه القمّة النوعية التي تأتي بعد 30 عاما على انعقاد الأولى في كوبنهاغن، فإن هذا الرصيد لا يستمدّ قيمته فقط من احتشاد ثمانية آلاف مشارك في الدوحة، ولا في النجاح اللوجستي والعملياتي لأعمال القمّة التي أشرفت عليها ونظّمتها الأمم المتحدة نفسها، وإنما أيضا بأن قطر تقرن هذا كله بمساهماتٍ إنسانيةٍ معلومةٍ في مكافحة الفقر والجوع، وفي دعم التعليم والصحة، فقد سمع الحضور من مندوبتها الدائمة في الأمم المتحدة، علياء بنت سيف آل ثاني، إن بلادها قدّمت في هذا كله 4.8 مليارات دولار بين عامي 2022 و2024.
ولمّا وقّعت حكومات العالم كله على "إعلان الدوحة" فهذا يمثل التزاماً منها بجهودٍ وطنيةٍ ومحليةٍ، وأخرى مشتركة، من أجل تحقيق الأولويات المترابطة، والتي شدّد عليها الإعلان، باعتبارها أساسية لتحقيق التنمية المستدامة: القضاء على الفقر، العمالة الكاملة والمنتجة، العمل اللائق للجميع، والاندماج الاجتماعي. ولم يغفل الإعلان، البالغ في تقدّميته وشموليّته، مختلف الاستحقاقات والمتطلبات المالية والسياسية التي تسعف في دفع إمكانات الدول، على اختلاف أوضاعها وتنوّعها والفجوات بينها. وبهذا، فإن عملاً جماعياً لا بد سيصبح لازماً في هذا كله، الأمر الذي يعني، بلا لغة وعظية وتعليمية، أن تتخفّف دول كبرى من منطق الاستعلاء الذي تقيم فيه، وتولي للعمل من أجل ترقية الحياة البشرية والتنمية المستدامة في العالم موضعه في سياسات التخطيط والعون، بدل الاستغراق في تأجيج التوترات والمنازعات والحروب البينية والأهلية. وهنا يلتقي ما أشار إليه أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في كلمته في افتتاح القمة، مع أطروحة الأمم المتحدة وهيئاتها المختصّة، وذلك في قوله "إن التحدّيات التي تواجه تحقيق التنمية الاجتماعية كالفقر والبطالة تتطلب التعاون والتضامن الفعال".
عندما يُخبرنا أمين عام الأمم المتحدة، أنطونيو غويتريس، في افتتاح القّمة، بأن أكثر من 700 مليون شخص في العالم يعانون من الفقر المدقع، ويعقّب "إن عدم وجود أي حمايةٍ اجتماعيةٍ للملايين في العالم أمرٌ مؤسف"، فذلكما يفرضان علوّ الخطاب الأخلاقي والتضامني في العالم. ونظنّها القيمة الأهم لأعمال ثلاثة أيام لقمّة فريدة، أحاطت بكل قضايا الإنسان في كوكب الأرض المريض، أنها فعلت هذا ... وهذا كافٍ ربما في غضون التوحّش الذي نرى في غير موضع.

معن البياري
معن البياري
رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن، مواليد 1965.