العرب والثور الأبيض

05 يناير 2026
+ الخط -

تسرّبت، قبل بضعة عقود، مخطوطاتٌ تتضمّن خرائطَ افتراضيةً للمنطقة العربية، تُظهر دولاً عربية وقد قُسّمتْ بين دويلات صغيرة. وتكرّرت تلك التسريبات أكثر من مرّة في العقود الماضية. كما دخلتْ تلك المخطّطات ضمن المحتوى التعليمي لدارسي العلوم السياسية والاستراتيجية، للتوعية بنيّات أطراف معادية لشعوب المنطقة ودولها. غير أن المنطقة شهدت خلال العقدَيْن الماضيَّيْن (خصوصاً) تطوّرات وأحداثاً تتماشى مع ما جاء في تلك المخطّطات التقسيمية. واتّخذتْ تلك التطورات مسارات متوازية، لكن غير متطابقة. منها ما وصل إلى خطّ النهاية بالتقسيم رسمياً، كما جرى في السودان بانفصال الجنوب. ومنها ما يعيش بالفعل مرحلة تقسيم على الأرض من دون انفصال كامل أو رسمي، كما هو الحال في ليبيا واليمن. ومنها ما يمرّ في مرحلة الاختلافات الجذرية والتفاوت في توزيع السلطة والموارد والسيادة، كما في العراق، وأخيراً في سورية. وكذلك في لبنان، المثال التاريخي المزمن للفراغ السياسي والمؤسّسي، نتيجة الانقسام الديمغرافي والسياسي والعسكري.
ورغم تواتر تلك الحالات، حالَ تباين خصائصها، واختلاف أهميتها الاستراتيجية من دولة إلى أخرى، دون الانتباه إلى أنها تنويعات تطبيقية للمخطّطات إياها، خاصّة أن ذلك المنحنى الهابط في تماسك الدولة المركزية عربياً تزامن مع تراجع وتفكّك ما كان يُعرف بالنظام العربي. فقد انهار هذا النظام من داخله على المستويَّيْن: الجماعي الكلّي، وأيضاً على المستوى الجزئي بين الدول المحورية ذات الثقل.
مناسبةُ استحضار ذلك الماضي الممتدّ حتى الحاضر الخطوة المفاجئة للسعودية في اليمن، فالضربة العسكرية الخاطفة في ميناء المكلّا، ثم مباشرة رقابة وتتبّع للشحنات المتّجهة إلى الجنوب، لها دلالات تتجاوز افتراق الأهداف وتقاطع السياسات الفردية داخل التحالف العربي الإسلامي لدعم الشرعية في اليمن. وليس من المُستبعَد تكرار تحرّكات أخرى مشابهة، من السعودية أو غيرها، في ملفّات أخرى مثل السودان أو الصومال.
ربّما كان التحرّك السعودي (وأتمنّى ذلك) نتاجَ تشاور وتنسيق، ولو على نطاق ضيّق عربياً، وليس قراراً أحادياً. وحتى إن لم يكن كذلك، فلعلّه تعليقٌ للجرس في رقبة القط. هنا يكمن المعنى الأوسع لجهة حاضر ومستقبل الدول العربية والمنطقة ككل. فرغم تداول الخرائط التقسيمية، ومخطّطات تفتيت المنطقة، على نطاق واسع طوال عقوداً متواصلةً، تأخّر العرب في التعاطي العملي معها، بل حتى النظر إليها بالجدّية اللازمة. وبدلاً من دعم الدولة المركزية، ودفعها نحو التماسك على أسس قوية، ووفق مقوّمات موضوعية تضمن الاستقرار والتنمية والسيادة، تركت الدول العربية الصومال ينهار، والسودان يُقسَّم، والعراق ينقسم على نفسه، ولبنان يأكل بعضه بعضاً، وليبيا بلا دولة حقيقية، واليمن يصير يمنَيْن بل ثلاثة. تركت الدول العربية ذلك كلّه يحدث، رغم علمها أن عدوى التقسيم (والتفكيك) تنتشر بسهولة، وقابلة للتفشّي في منطقة رُسمتْ حدودها عسفاً على مائدة سايكس - بيكو. أي أنها، بلا استثناء تقريباً، مُعرّضةٌ، بل مؤهّلةٌ بامتياز، للتفكيك وإعادة التركيب.
وعلى ما في التحرّك السعودي لاستدراك وحدة اليمن من استشعار بالخطر، يظلّ متأخّراً عما كان واجباً قبل فترة. بدليل مسارعة المجلس الانتقالي الجنوبي، بعد العمل الاستباقي السعودي مباشرةً، إلى كشف نيّاته بالتوجّه نحو الاستقلال، ما يجعل لثمار الاستدراك طعماً مُرّاً وثمناً باهظاً. ولا عزاء لعربٍ آخرين مشدوهين مشلولين بعد أن بات الطوفانُ حولهم. صحيح أن تأتي متأخّراً خيرٌ من ألا تأتي أبداً، لكن في مصائر الشعوب، وتحوّلات الأقدار، للزمن سيفٌ بتّار. ومن لا يتّعظ من الثور الأبيض، فلينتظر دوره على مذبح الأمم.

58A20E76-8657-4557-85A3-A5682BEB4B9A
سامح راشد

باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط. درس العلوم السياسية وعمل في مراكز أبحاث مصرية وعربية. له أبحاث ومقالات عديدة في كتب ودوريات سياسية.