القطُّ الذي التهمَ قلبي

10 ديسمبر 2025

قطّة فوق أنقاض مبنى استهدفه قصف إسرائيلي في رفح جنوبي غزّة (3/1/2024 الأناضول)

+ الخط -

فجأةً، وبلا مقدِّمات، اكتشفتُ أنّ قِطِّي المُدلَّل قد أصبحَ يأكلُ أشياءَ غريبةً لا تأكلُها القططُ في العادة. وفي البداية أُحبُّ أن أُخبِرَكم أنّنا عائلةٌ تُحبُّ القططَ أبًا عن جدٍّ، ولنا قصصٌ وحكاياتٌ معها منذ زمن النكبة. وقد كانت رفيقةَ حياةِ جدِّي وجدّتِي، ثم أعمامِي وعمّاتِي. أمّا حين ضمَّهُم الشتاتُ في بلادِ الخليج بعد نكسةِ 1967م، فهم أيضاً لم يتوقّفوا عن اقتناءِ القطط، رغم ضيق بيوتهم، بل إنّهم تناقلوا الاسمَ نفسه للقطِّ الأوّل الذي كان في بيتِنا القِرميدي في مخيّمِ خانيونس للاجئين الفلسطينيين.

هكذا أصبح القطُّ في بيتِ الشتاتِ في مصر. وبعد أن أنقذتُه مرارًا من الموت، وكانت المرّةُ الأولى حين قُصِفَت البنايةُ العملاقةُ في اليومِ الرابع من الحرب، وهربنا على عَجَل، وظلَّ ليومين تحت الأنقاض حتى عثرتُ عليه؛ تنقّل معي من منطقةٍ إلى أخرى على امتداد الشريطِ الساحليّ الضيّق المُسمّى قطاعَ غزّة، حتى وصلتُ إلى آخرِ محطةٍ في نزوحِنا المُضني على شاطئِ بحرِ مدينةِ رفح، حيث مرّت أيامُنا الأخيرةُ ونحن لا نملك سوى الخبز وقليلٍ من الجبنِ رديءِ الصُّنع. وهكذا لم أكن أملك رفاهيةَ تقديمِ طعامٍ آخر للقطّ سوى الخبز، بعد أن عافت نفسه مذاقَ الجبن الذي كنّا نتناوله مُرغمين، أنا وأولادي. كنّا نتمدّد على الأرضِ الباردة ونُنصِت إلى صوتِ قصفِ الصواريخ وقذائفِ البوارجِ البحريّة في عرض البحر، وكذلك صوتِ قذائفِ الدبّابات بالقرب من الحدودِ المصرية.

باختصار، كانت الحربُ من حولِنا تدورُ على كلِّ المحاور: أرضاً وسماءً وبحراً. وكان الموتُ يقترب، وفرصُ النجاة تتضاءل. وبقيتُ أحتفظُ بقِطِّي رغم أنّ كثيرين قد أشاروا عليَّ بأن أُطلِقَ سراحه لكي يلتقطَ رزقَه بين خيامِ النازحين، ولكنِّي رفضتُ الفكرة حين رأيتُ بعضَ القطط تتجوّل، وقد تحوّلت إلى هياكلَ عظميةٍ فعليًّا بسبب الجوع. أمّا كمّيةُ القذارة التي تعتلي أجسامَها فهي لا تُوصَف، لدرجةٍ أنّك لا تستطيعُ تحديدَ اللونِ الحقيقيِّ لشعرها، الذي تساقط أغلبُه، وبدا الجلدُ قذرًا، جافًّا، ومتقيِّحًا بالدم.

هنا، في غُربتي الجديدة، احتضنتُ قِطِّي الذي نجا من مصيرٍ اقترحه الآخرون اليائسون ورفضتُه بحزمٍ وغضب. وهكذا أصبح يتجوّل بأمانٍ في البيتِ الضيّق، وأُقدِّم له طعامًا مُغذّيًا، وبدأت علاماتُ الصحّة تظهرُ عليه، فيما عدتُ أرى نظراتِ الامتنان في عينيه نحوي ثانيةً، وهو يتمدّدُ مسترخيًا إلى جواري، ويُطلِق ذلك الخُوارَ الرتيبَ الذي يُفسِّره علماءُ الحيوان بأنّه دلالةٌ على الرِّضا.

قبل أيّام، استيقظتُ على فاجعةٍ، واعتقدتُ للوهلةِ الأولى أنّ فأرًا قد تسلّل إلى غرفتي، لأنّي سمعتُ صوتًا قارِضًا يصدرُ من الدرجِ الوحيد الذي يقعُ بجوارِ سريري، حيث أحتفظُ فيه ببعضِ الأوراقِ الهامّة، إضافةً إلى الصورِ العائلية التي أنقذتُها من بين أنقاضِ البيت. وهي صورٌ لطفولتي مع والديَّ، إضافةً إلى صورِ والدي، خصوصًا في مراحلَ مختلفةٍ من حياته. وحين رفعتُ رأسي لاستطلاعِ الأمر، اكتشفتُ أنّ قِطِّي هو الجاني، وقد كان يلوكُ طرفَ إحدى الصور بسرعةٍ وشراهة.

بدأت معاناتي مع قطِّي الذي تحوّل من تناولِ الطعام إلى التهامِ الأوراقِ والصور؛ وقد التهمَ قلبي فعلًا حين أتلفَ بأسنانه الصورَ الباقيةَ لي، وهي كلُّ ما أملك من ذكرياتي في غزّة. وتحول إلى آلةٍ لا تتوقّف، وهو يقرضُ الأوراقَ وصناديقَ الكرتون وأكياسَ النايلون. وكان لا بدّ أن أقرأَ على الإنترنت عن حالةِ قطِّي، لأكتشفَ أنّها حالةٌ تُعرَف بمتلازمةِ "بيكا". استبعدتُ كلَّ أسبابِها الطبِّيّة، ولم يبقَ سوى سببٍ واحد: إصابةُ القطِّ بالملل وشعورُه بالإهمالِ العاطفي؛ لأنّي تعاملتُ معه كما نتعاملُ مع من نُحبّ، حين نَتيقّن من حُبِّهم لنا، فنُهمِلهم.

أمّا في غزّة، فتُثبِتُ الدراساتُ الحديثةُ نفسُها أنّ الحروبَ تخلُقُ فعلًا نوعاً من التداخُلِ العاطفيّ بين البشرِ والحيوانات. فالقططُ هناك قد غيّرت علاقتها بالبشر بعد أن التهمت الجُثث وشربت من الدماء، وأصبحت تبتعدُ عن البشر، وتجدُ صعوبةً في الثقة بهم، وتحاول، مثلما يفعل البشر أيضاً، أن تتكيّفَ نفسيًّا مع ظروفِ الصراع من أجلِ البقاء.

سما حسن
سما حسن
كاتبة وصحفية فلسطينية مقيمة في غزة، أصدرت ثلاث مجموعات قصصية، ترجمت قصص لها إلى عدة لغات.