المال والديمقراطية... دروس محاكمة ساركوزي

27 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 03:35 (توقيت القدس)
+ الخط -

أعادت محاكمة الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، الخميس الماضي، إلى واجهة الأحداث مرّة أخرى الاتهامات القديمة المتعلّقة بتلقيه أموالاً من الرئيس الليبي المعزول معمرّ القذّافي، إبّان حملته الانتخابية. يعود الاتهام إلى وقت طويل، وربّما يكون أول من لفتنا إلى وجود هذا الارتباط هو القذّافي نفسه، الذي قال في أحد خطاباته عبارةً لم نأخذها على محمل الجد: "هذه آخرتها؟". قيلت هذه العبارة بألم شديد، إذ بدا القذّافي يشعر بالخذلان وهو يرى أن فرنسا، التي ظنّ أنها قد تقف إلى جانبه، كانت رأس الرمح، وأكثر الدول تشدّداً بشأن ضرورة إسقاطه وإنهاء حكمه.

أنكر ساركوزي، في مداخلة إعلامية عقب المحاكمة،  ما نُسب إليه ووصف القضاء الفرنسي بـ"المسيّس"، والحكم بـ"الفضيحة"، كما قال إنه على الرغم من هذا التحيّز لم يستطيعوا إثبات تهم الفساد أو تلقيه أموالاً أو الاختلاس. مع ذلك، استقر القضاء الفرنسي على حكم السجن خمس سنوات بدعوى التواطؤ، وتشكيل "مجموعة شريرة" تواصلت مع القذّافي إبّان الحملة الانتخابية في العام 2007. وقال ساركوزي في تصريحه، الذي اهتمّت به وسائل الإعلام، إنه سيظلّ يدافع عن براءته، أمّا إذا نُفّذ الحكم فسوف ينام في السجن، لكن مرفوع الرأس. وستكون هذه العقوبة سابقة أولى بسجن رئيس فرنسي سابق. صحيح أن وقت الإيداع في السجن لم يحدّد بعد، إلا أنه من الواضح أن السلطات عازمة على تنفيذ هذا الحكم.

هناك عدة دروس (وخلاصات) نخرج بها من هذا الحدث، أكثرها أهميةً أنه لا بأس في محاولة استمالة الحكومات الغربية، والسعي (إن أمكن) للرهان على ما يمكن أن يكون أقرب إلى تحقيق المصلحة الوطنية، لكنّ الرهان الأكبر يجب أن يكون على الشعب نفسه. القذّافي، الذي تقارب في سنواته الأخيرة مع الفرنسيين، ومع الرئيس ساركوزي تحديداً، كان يسعى إلى تجميل صورته وتحسين وضعه في الخريطة الدولية، وكان يعتبر أن هذه العلاقات الجيدة الجديدة، وتلك الرشى المبطّنة قد تكون قادرةً على حسم ولاء القادة الأوروبيين.

الحكم على ساركوزي يسلّط الضوء على العلاقة بين المال والسياسة، ويكشف كيف تفسد الديمقراطية في أهم عواصمها

لم يكتف الديكتاتور الليبي بذلك، بل كان يبذل أمواله في كل اتجاه سعياً إلى تكوين درع تستطيع أن تحميه في حال احتاج المساعدة، فموّل مجموعات أفريقية، وحركات مسلحة، وحكومات، إلا أن المفاجأة الصادمة كانت أن ذلك كلّه ذاب أمام غضبة الجماهير، فلم تستطع الحكومات التي كانت تراهن عليه أن تتدخّل، وأن تساهم في قمع الشعب المنتفض، وباتت كل الجماعات التي كانت تتلقى منه الدعم السخي غير قادرة على فعل شيء. قصّة ساركوزي تخبرنا أيضاً عن نفاق القادة الغربيين، فالقذّافي الذي كان صديقاً جيّداً حينما كان في السلطة، وعندما كان الجميع منفتحاً، خاصّة خلال سنواته الأخيرة، على بدء شراكات مع بلاده (ليبيا)، تحول في لحظة ضعفه، بين عشية وضحاها، شخصيةً منبوذةً، وديكتاتوراً مقيتاً يجب التخلّص منه وتسليط الإعلام على ما ارتكبه من شرور. هذا يذكّر بقصص متكرّرة في القارة الأفريقية، وفي غيرها، لزعماء كانوا مقرّبين من الرؤساء الأوروبيين، لكن سرعان ما بيعوا واستبدلوا، على الرغم مما قدموه من "خدمات".

كان ذلك من أسباب الصدمة التي أصابت فرنسيين كثيرين، إذ قدّمت دليلاً جديداً على أن السياسة في ذلك البلد، وفي غيره من البلدان الغربية، لا تسير على النحو المثالي الذي يتخيّله الناس، بل هي لا تخلو من فساد ورشوة وعلاقات لا تحتكم في المقام الأول للمعايير الأخلاقية. هذا يجعلنا نفهم عبارة ساركوزي، التي قال فيها إن في هذا الحكم تشويها لصورة فرنسا، وهذا صحيح بالفعل، لأن الحكم يسلّط الضوء على العلاقة بين المال والسياسة، ويكشف كيف تفسد الديمقراطية في أهم عواصمها، ومن خلال مثال لشخص لا تقتصر أهميته على أنه رئيس أسبق فقط، بل ينظر إليه على أنه أكثر وجوه "الجمهوري" أهميةً، أحد أكثر الأحزاب اليمينية الفرنسية أهميةً. إلا أن البديل الوحيد لمنع ذلك التشويه المفترض هو تعطيل دولة القانون.

يعود البحث في العلاقة بين ساركوزي والقذّافي إلى تحقيق لـ"ميديا بارت"

يذكّر هذا بقصة الزعيمة اليمينية مارين لوبان، التي لاحقتها اتهامات متعدّدة، شملت التلاعب بأموال البرلمان الأوروبي والتورّط في علاقات مالية مع روسيا، في وقت كانت بلادها تنظر فيه إلى ذلك البلد عدوّاً. التشابه كبير بين الحالتَين، فكانت لوبان، التي بدأت شعبيتها في التزايد خلال العامَين الماضيَّين، لا ترى في الأحكام ضدّها إلا مؤامرةً تهدف لإبعادها من الساحة السياسية، وإخراجها من المنافسة الانتخابية.

الجانب الآخر المهم في هذه القصة هو الصحافي، فهي تخبرنا عن أهمية الصحافة المستقلّة. للتذكير، تعود جذور البحث في هذه العلاقة المريبة بين ساركوزي والقذّافي إلى تحقيق قديم أجرته الصحيفة الفرنسية الإلكترونية ميديا بارت، التي قدّمت وثيقةً عُثر عليها بعد سقوط القذّافي، وتفيد بتحويل أموال لصالح ساركوزي. هذا ممّا يُحمد للدولة الفرنسية بالتأكيد، فعلى الرغم من إيماننا بأن الحرية المطلقة وهم لا وجود له، إلا أن هذا المستوى من الصحافة الكاشفة، التي تعمل بلا قيود ولا سقف، مختلف عن الوضع في أغلب دول الجنوب، التي قد يقود تحقيق صحافي جريء فيها إلى معاقبة صاحبه أو التضييق عليه أو حتى إلى تلفيق أيّ تهمة له، ما يجعل الصحافة في كثير من هذه البلدان تفقد قيمتها ومعناها وسبب وجودها. في حالة وثيقة "ميديا بارت"، وعلى الرغم من التشكيك في مصداقيتها وعدم القدرة على تتبع وصول تلك المبالغ إلى حساب الحملة الانتخابية أو حساب ساركوزي الخاص، إلا أن ما نشرته الصحيفة تسبّب في فتح باب التساؤل والتحقيق.

مدى الفاتح
مدى الفاتح
كاتب وباحث سوداني في باريس، دبلوماسي سابق