المرحلة الانتقالية والسوريون المسيحيون

01 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 09:42 (توقيت القدس)

جنازة في كنيسة الصليب بدمشق لضحايا تفجير"مار إلياس" في حي الدويلعة (28/6/2025 فرانس برس)

+ الخط -

استمع إلى المقال:

يتوزع المسيحيون في مختلف المدن السورية، ويشكّلون طوائف دينية متعدّدة، وتميل الأكثرية فيها إلى تحييد هويتها الدينية عن الشأن السياسي، وتتبنّى التيارات العابرة للأديان بالشأن السياسي، القومية، اليسارية، الوطنية، الليبرالية، وبما يعزّز مساواتها مع أبناء الأكثرية الدينية. شكّل الاستبداد الأسدي بداية العودة إلى الهوية الدينية عند المسيحيين بالمعنى السياسي، ولكن الهوية لم تتأسّس في أحزاب سياسية.
شكلت مأساة السوريين منذ 2011 محنة لهم كافة، ولكن تحولها من ثورة شعبية وسلمية إلى مسلحة وفصائل متصارعة وطغيان الشكل الطائفي للحرب، كانت سبباً لصمت أغلبيتهم، وتحييد أنفسهم عن الحرب. أنتج التدخل الروسي بعض الظواهر العسكرية في الوسط المسيحي، فتشكلت بعض الفصائل ولكن ظلّت هامشية، وحتى الفصيل المسيحي التابع لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) هامشيٌّ كذلك. لم تُسجل انتهاكات واسعة بحق هذه الفصائل، وبالعموم، كان قادتها دون شعبية في الوسط المسيحي، ومن ثم، كان الميل السائد لدى المسيحيين الوقوف على الحياد، ولم تشكل مواقف غالبية رجال الدين المسيحي، كما من بقية الطوائف، إلى جانب بشّار الأسد سبباً في تغيير موقف الحيادة بعامة. يشبه موقفهم هذا موقف سنة المدن من الطبقات المتوسطة.

شكّل توزّع المسيحيين، في كل المدن السورية وتعدديتهم المذهبية وقلة أعدادهم، مانعاً لعدم بروز تيارات بينهم معادية للسلطة

أحدث وصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة في دمشق إشكالية كبيرة، فهي تنظيم سلفي جهادي، وغادر المسيحيون محافظة إدلب حين سيطرته عليها منذ 2015، ولكن زعيم الهيئة أحمد الشرع حاول إعادتهم، ولم يحرز تقدّماً بالأمر، وبالتالي، هناك كثير من القلق من هذا التنظيم. وشكّل وصول الهيئة إلى دمشق تغييراً هائلاً في علاقة الأديان والطوائف بعضها ببعض. أدّت سلفية الهيئة إلى غلبة السنة على بقية الطوائف، وإن لم تكن الهيئة معبّرة بالفعل عن السنة، والتي يغلب عليها التيار الأشعري، وبالتالي، هناك خلافات عميقة بين التيارين؛ حاولت السلطة إيجاد بعض التوافقات بينهما من خلال المؤسّسات الدينية الجديدة، كمجلس الإفتاء الأعلى ووزارة الأوقاف ومفتي الجمهورية وسواها، ولكن ذلك لم يجد تهدئة ضمن المساجد (ومجتمعياً)، التي تشهد خلافات مستمرّة بين التيارين، وأحياناً يتصاعد، ولكنه يعود إلى الهدوء، ولكن هذه الإشكالية قابلة للتفجر الفجائي.
شكّل توزّع المسيحيين، في كل المدن السورية وتعدديتهم المذهبية وقلة أعدادهم، مانعاً لعدم بروز تيارات معادية للسلطة، وكذلك رغبتهم في تحييد أنفسهم عن صراعات سرعان ما اشتعلت ضد السوريين العلويين مثلاً، كما برزت السلفية مرجعية لعمليات القتل الطائفي بين 6 و9 آذار ضد العلويين. جاءت مجزرة كنيسة مار إلياس في دمشق لتشكل ما يشبه القطيعة مع السلطة، ولا سيما بعد كلمة بطرك الروم الأرثوذكس في أثناء تشييع ضحايا المجزرة، والتي كانت نقدية لطبيعة السلطة، واستئثاريتها، وطالبها بالانتقال إلى الديمقراطية والمواطنة والتعدّدية السياسية، وكانت كلمته هذه بتأثير الوسط المسيحي، المستاء أصلاً من سياسات السلطة السلفية في المجال الديني، وكذلك بسبب إخفاقها في حماية الكنائس من المجموعات الأكثر تطرفاً.
يشعر السوريون المسيحيون بالقلق الشديد من جرّاء تعقيدات المرحلة الانتقالية وقابليتها للانتكاس والفوضى، ويزيد الأمر تعقيداً ترهّل بنى الدولة منذ 2011، وغياب الفصل بين السلطات ما بعد 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، ومحاولة هيئة تحرير الشام الهيمنة على المناصب الأساسية في الدولة. وجاءت مجازر الساحل وما تلاها في جرمانا وأشرفية صحنايا، ومجزرة كنيسة في دمشق وأخيراً السويداء لتزيد الابتعاد أكثر عن السلطة، وعاد التفكير في الهجرة كذلك. والأسوأ هنا أن أوساط السلطة والموالين يؤكدون أن من لا تعجبه البلاد فليغادرها، فقد هُجرنا من قبل، وليجرّب الآخرون.
هناك ميل، وغير القلق، إلى الانعزال عن كل ما يجري في البلاد، ولا سيما أن البلاد صار الحكم فيها بيد فئة توصف بأنها متشدّدة طائفياً. عزّزت حالة الانعزال الممارسات الأكثر طائفية والدعوات إلى التشدّد، والاستهزاء ببقية الأديان أو المذاهب. وقد أعطى إيقاع المجازر بالعلويين أو الدروز رسالة في منتهى السلبية إلى الأقليات الدينية والقومية، وضمناً إلى المسيحيين، وبالتالي، الميل نحو الانعزال سمة أساسية للأغلبية المسيحية ما بعد 8 ديسمبر.
ليس وجود شخصيات سياسية من المسيحيين ظاهرة معبّرة عن انخراط المسيحيين في الشأن العام، سواء كانوا معارضين للسلطة أم مؤيدين لها، وعاملين معها. الحديث أن المسيحيين، بخلاف العلويين والدروز وسواهم، منخرطون في السياسة أو مؤيدون للسلطة يتناقض مع الواقع، بل شكلت كلمة البطريرك في تشييع ضحايا تفجير الكنيسة دلالة كاملة الوضوح على التذمر من سياسات السلطة، السلفية. طبيعة السلطة الدينية والسياسية هي التي تضع العقبات أمام دخول كل السوريين في الشأن العام، والأمر لا يخصّ المسيحيين فقط، بل حتى أغلبية السنة.
تخطئ السلطة بسياساتها الاستئثارية، فهي تدير مرحلة انتقالية، وتتطلب إجماعاً وطنياً، ولا سيما بعد مآسي سورية من 2011. تتطلب طبيعة المرحلة الانتقالية إشراكاً عاماً لكل النخب، والانفتاح على الشعب، والبحث عن أشكالٍ لتمثيله في مؤسسات الدولة. هناك إشكالية كبرى؛ ففي وقتٍ تتكرّس فيه الشخصيات الأساسية في السلطة، وتضع كل السلطات بين أيديها، تتهمش مؤسسات الدولة ذاتها؛ فلم يشهد السوريون تغيّراً يُذكر فيها، وتميل السلطة الجديدة إلى التزاوج مع الخبرات القديمة الفاسدة، وتستبعد الخبرات الوطنية من وضع الخطط الاستراتيجية لتغيير التوجّه العام لمؤسسات الدولة، وهناك رأي يؤكد أن السلطة الجديدة تستهدف حل كثير من تلك المؤسسات وأن تُعطى للقطاع الخاص الدور المركزي. أين الخطأ. إنه في وجود ملايين العاطلين عن العمل، وملايين المهجّرين، ويحتاجون إلى السكن والعمل والحريات العامة، وينعكس هذا الواقع سلباً على المسيحيين وعامة السوريين.

سيميل المسيحيون السوريون إلى الابتعاد عن السلطة طالما لم تغيّر سياساتها، والتغيير هذا مطلب عام، لسوريين كثيرين

تعلق طبيعة السلطة، السلفية من ناحية الأيديولوجيا، والاستئثار من ناحية السياسة، إمكانية التعاون معها، وفي كل الأحوال حلَّ الرئيس أحمد الشرع القوى السياسية بحجة البدء بالنهوض بالدولة. سيعزّز الاستمرار بالسياسات ذاتها من عزلة كل السوريين. سيميل المسيحيون إلى الابتعاد عن السلطة طالما لم تغيّر سياساتها، والتغيير هذا مطلب عام، لسوريين كثيرين. سيعطي حدوث التغيير مؤشرات "ليبرالية" نحو الانفتاح المجتمعي، وكذلك إن أرسيت أسس دستورية وقانونية للتعدّدية السياسية والحرّيات العامة والشخصية، وضمن ذلك إنهاء ظواهر الدعوة الدينية في الشوارع أو أية أشكال من الضغوط، والتي تمارسها فئاتٌ من السلطة، والتخفيف من غلبة التطييف السني بعامة على بقية الطوائف والأديان.
يتحدّد منظور السلطة إلى المجتمع على أرضية الطوائف أو القوميات، ومن الادّعاء أنّها تمثل السنة، وانطلاقاً من ذلك تهيمن على الدولة باسم الأكثرية الدينية، وبذلك تستخدمها سياسياً من أجل هيمنة تيارها السلفي في السلطة والدولة الناشئة. وسيدفع سيادة نمط كهذا من السياسات الطوائف والمذاهب نحو مزيد من العزلة وربما التمرّد، وأكثر ما تتضح هذه السياسات في إطار الجيش والأمن أو الاستخبارات. تمارس السلطة سياساتها وكأنّها منتخبة ودستورية، وليست انتقالية، وهذا يتعارض مع مصالح كل السوريين، ومن كل الطوائف والقوميات.