الموت... ذلك المعلم الطيب بلا كلام
(بول كلي)
أن ينتقل كائنٌ ما في لحظات، من فوق تراب الكوكب إلى تحت ترابه، إلى مكان آخر ولن يعود أبداً ثانية للدنيا، حتى لشرب الشاي البسيط في مقهى ثم يعود ثانية.
تخيّل ترامب، مثلاً، بعد سنة أو شهور وقد ترك الكوكب فجأة وتم بيع أبراجه من خلال الورثة واشترى نصف أبراجه صينيون وهنود وبنغال وماليزيون، بعدما ألقي فوق قبره طنان من الورود، هل الموت يغيّر الخرائط فوق تراب الكوكب، أم أن الخرائط هي التي تغيّرنا بصمت وتأتي بغيرنا، وكأننا أقدام عصافير كتبت بعد الفجر، ثم تم محوها بعد عبور عيال المدارس؟
أتابع الموت وغمزاته في الكون من سنوات من دون أن أصل إلى شيء، سوى أنه انتقالة ما من مكانٍ كنا نتكلم فيه إلى مكان آخر لا نتمكّن فيه من الكلام، فقط يستمر الكلام في الأحلام بيننا لو زرناهم فجأة، وفي الضحى يحكي الحالم عن ذلك الحلم الطويل الذي رأى فيه فلاناً الميت فوق حمارته في طريقه إلى الغيط ومن خلفه البهائم. وبعد الظهيرة، يراه يحش البرسيم ويرميه إلى البهائم، فيسأله عن الأحباب، فيضحك صاحب البهائم الميت، ويبدأ في الكلام، كلام مبحوح ولطيف يتسامح فيه دائماً مع الدنيا والناس، ثم يمشي وراء غمامة تاركاً الحشيش والبهائم للشخص الحالم.
يحتار الحالم في تفسير الحلم، فيقول له السامع إن الحلم قد فسّر نفسه بنفسه، ولابد أن تمر على أولاده كي تراضيهم بشيء، يسكت الشخص الحالم وينظر إلى أعواد البرسيم وقد مالت مع نسمة هواء باردة؛ يحكى أن صالح أبو خلف مشى وراء جنازة إلى شرق البحر، وجلس بالقرب من الناس وهم في همّة لفتح القبر، وقارئ القرآن يتنحنح بالقرب من الجمع، معلناً عن حضوره، نظر صالح إلى قارئ القرآن، وتأمل وجهه الأحمر والدماء تمشي فيه ثم أغمض عينيه تلك الإغماضة الأخيرة، كانت الدفنة قد انتهت، ومن فتح القبر وأدخل الميّت نفض التراب عن الصديري والشال وهمّ الجميع بالانصراف، إلا صالح المركون هناك، مال أحدهم على صالح فوجده قد فارق الحياة، فتشاوروا، هل نغسله شرق البحر وندفنه، قال الآخر: "يزعل الأهل فلابد لهم من تلك النظرة الأخيرة على صالح"، شالوا صالح في خشبة الميت الذي تم دفنه وعبروا به في المركب من شرق البحر لغرب البحر، ودخلوا بيته بصالح الميت في الخشبة، بان القلق على الزوجة، ولكنها بفطنة أدركت الموضوع كله.
غسّلوا صالح ونادوا عليه، فقال قائل لم يذهب إلى الجنازة إن صالح هو من نادى عليه من ساعتين كي يمشوا وراء الميت السابق، ولكن الظروف شغلته قائلاً: لا إله إلا الله، فرد عليه آخر: محمد رسول الله، وشالوا صالح في خشبة الميّت الأول وعبروا ثانية من غرب البحر لشرقه لدفن صالح.
عاد قارئ القرآن نفسه الذي من ساعتين رآه صالح وهو يتنحنح كي يحسّ الجمع به، وحكوا لقارئ القرآن إنه كان معنا من ساعة. بالطبع، لم يستطع قارئ القرآن أن يتذكره، لأنه أمر من غاية المستحيلات، ولكنه قال: "علّ بين الاثنين مودة".
سكت الجميع حتى انتهى الناس من دفن صالح، وبالآيات نفسها قرأ قارئ القرآن طالباً لصالح ولمن سبقه الرحمة، وعاد الناس إلى منازلهم، وصارت حكاية.
نكون هنا، فنصير هناك، ونكون هناك فنصير هنا، وفي كل مرّة نركب البحر ونذهب ونعود، ولا الذين هناك سلّموا على بعض، ولا الذين هنا لامسوا الذين هناك، إلا في الأحلام، والأحلام تطاوعنا دائماً إن اشتقنا لعزيز في ساعة ما، من أكثر من عشرين سنة، وفجأة وبلا مقدمات أيضاً، مال عليّ الكاتب الراحل عبد الحكيم قاسم ونحن نجلس أمام مقهى زهرة البستان وكان في بدايات مرضه، وقال: "يا ولد يا عبد الحكيم هل كنت تحب اسمك هذا وأنت صغير؟". ورغم مباغتة السؤال لى وغرابته، أجبته بسرعة فائقة: لا، فإذا به يربت كتفي بذراعه السليمة، ويقول: "لقد ظللت أكره اسمي، يا حكيم، حتى رأيته أول مرة مكتوباً بالأسود أسفل أول قصة نشرت لي في حياتي، فأصبحت أعشقه مكتوباً، يا لهذا الجمال، يا ولد، الذي أحسست به ساعتها، وما زال قلبي ينخطف به كلما أراه أسفل قصصي".
ظلت كلمات عبد الحكيم معي أستند إليها في كل مرة أرى فيها اسمي، حتى مات عبد الحكيم، فأحسستُ بأن جزءاً من اسمي قد مات أو انكسر؛ رحم الله عبد الحكيم قاسم صاحب أجمل نص أدبي عن الموت قرأته في حياتي، وهو "خبر من طرف الآخرة".