المونديال والهويات الموروثة
مغربي يحتفل بفوز منتخب بلاده على كندا في أمستردام (4/7/2026 فرانس برس)
حذّر صديقٌ في منشور له من المغامرة المحفوفة بالمخاطر، لو خطر لأحد النزول إلى شوارع باريس في اليوم الذي ستلعب فيه المغرب ضد فرنسا في المونديال. والحقيقة تخوف الصديق في محلّه، إذ ثمّة تجارب عديدة عما يحدث في المدن الأوروبية الكبرى بعد مباريات المنتخبات المغاربية، فما بالكم بمباراة حاسمة في كأس العالم بين المغرب وفرنسا ومشجعو الفريقين في أوروبا ليسوا علي قدر من الروح الرياضية؛ في العموم (نادراً ما تتّصف جماهير كرة القدم بالروح الرياضية). نبهني كلام الصديق إلى سؤال يتعلق بالهوية والانتماء لدى ملايين من العرب والمسلمين في الدول الغربية، وتجنّسوا بجنسيات الدول التي يعيشون فيها منذ أجيال، وما زال موضوع الهوية غير محسوم لديهم كما يُفترض أن يكون.
يولد أحدنا في بلد ما وينشأ ويكبر ويتلقى ثقافة ذلك البلد، ويتمتع قانونياً بالحقوق التي يملكها مواطن أصلي، لكن ثمّة فجوة تبقى في روحه تمنع عنه الشعور الأصيل بالانتماء إلى هذا البلد أو ذاك. يتعلق الأمر أولاً بالهوية، فالإنسان يولد وهو يحمل في داخله طبقات مركّبة من الانتماءات، كل طبقة تصلح لأن تكون الهوية، لكن هذا المزيج المركّب والمعقد يتم اختزاله في مجتمعاتٍ غربية كثيرة بطبقة واحدة أو طبقتين، العرق والدين. هذا اختزالٌ سطحي ينزع عن صاحب الهوية كل الطبقات ويعرّيه ليضعه في مواجهة هوية واحدة سوف يتمسّك بها خوفاً من الضياع. هذا يفسّر، إلى حد ما، تمسك مهاجرين عرب كثيرين بالتراث والعادات والطقوس الدينية، حتى لدى الأجيال الجديدة التي ولدت في المجتمعات الغربية ذات النظم العلمانية. هذا يفسر أيضاً احتفاظهم بلغاتهم الأم والتحدّث بها أو إدماجها في لغة المجتمع الذي يحملون جنسيته... اللغة هنا تتحوّل إلى إعلان هوية عميقة في وجه التسطيح الهوياتي مثلها مثل الدين.
هنا أيضاً تبدو الجنسية التي يحملها هؤلاء لا تكفي لأن تكون الهوية، فالهوية ليست "جواز سفر" فقط. جزء كبير من الهوية هي الرواية التي تتربى عليها الأجيال الجديدة، رواية العائلة التي ينتمي إليها الفرد، هي الذاكرة التي تتوارثها أجيال العائلة عن الوطن الأصلي: عاداته، ثقافته، لغته، طقوس الطعام، طقوس الأعياد والأفراح والمآتم. هذه الذاكرة الموروثة تصبح هوية في مجتمع يحتفظ بمعايير مواربة للمواطنة الحقيقية. هل تمكّنت أوروبا من إدماج المهاجرين ضمن مجتمعاتها بشكل طبيعي وتلقائي ومن دون تمييز؟ إلى حد ما تمكنت خصوصاً اقتصادياً وتعليمياً، لكن البشرية (العالم الغربي تحديداً) في لحظة تحوّل كبرى نحو ذوبان الجنسية والهوية لصالح العولمة الاقتصادية ورأس المال الذي يعمل علي إقصاء ليس فقط المهاجرين، بل حتى أبناء المجتمعات الأصلية من الطبقات المتوسّطة عن المتن الحياتي، سوف يمتلئ الهامش بكثيرين من ضحايا حكم الشركات الرأسمالية الكبرى، ما سيجعل سؤال الهوية أكثر إلحاحاً من قبل. وهذا يفسّر ازدياد ظهور الحركات العنصرية اليمينية ووجودها في المساحة العامة، وهذا أيضاً يفسّر لماذا تزداد أجيال المهاجرين تمسّكاً بهوية أوطانهم الأم، هناك تكمن الجذور الحقيقية المفقودة بالنسبة لهم في المجتمعات الغربية.
يرث البشر أوطانهم مثلما يرثون جيناتهم ويعملون علي استفتاء هذه الأوطان في دواخلهم يوميّاً كما لو أنهم يختارونها كل يوم مجدّداً، وفي حدث كبير مثل مباريات كرة القدم والمنافسات الدولية الكبرى، يصبح هذا الاستفتاء أكثر حضوراً، ذلك أن الحدث الكروي (الأكثر جماهيرية عالمياً) يصبح بديلاً عن السياسة، يقول فيه المشجّعون ما يعجزون أو ما يخشون قوله في الأوقات العادية، فالمنتخب الوطني هنا هوية رمزية وانتماء إلى جماعة قد تكون "متخيّلة"، يحوّلها الحدث الكروي إلى مرئية، حيث يمثل الفريق المكون من 11 لاعباً ملايين البشر الذين يتشاركون الإرث الجمعي الجغرافي والمجتمعي نفسه، خصوصاً في مجتمعات المهاجرين، حيث يكتشف المشجّع فجأة أن جزءاً من وجدانه موجود لدى الهوية التي يحملها المنتخب القادم من وطنه الأم. تشجع أجيال المهاجرين منتخبات أوطانهم الأم ليس حبّاً بالكرة فقط، بل لأن حدثاً عالمياً كهذا فرصة نادرة لتأكيد هوية يطلب منهم نسيانها في الوقت نفسه التي لا ينظر إليهم إلا عبرها.