بوتين في محاولة فهم ترامب

25 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 03:00 (توقيت القدس)

الرئيسان ترامب (يمين) وبوتين يتصافحان في أنكوريج بولاية ألاسكا (15/8/2025 Getty)

+ الخط -

على الرغم من محاولته مطاردة سلوكات نظيره الأميركي دونالد ترامب، غير أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بات أقرب إلى فقدان صبره، رغم ماضيه الاستخباراتي في "كي جي بي"، لفهم شخصية ساكن البيت الأبيض. يتصرّف ترامب وكأنه يسبق الجميع بخطواته، من دون الالتفات لما إذا كانت مثل تلك الخطوات ملائمة لأطراف القضية التي يسعى، وفقاً له، إلى إيجاد حلول لها. يفرض ترامب ما يشاء اعتماداً على قوة النظام الأميركي لا على شخصه. تاريخياً، لم يكن الرئيس الأميركي مؤثّراً بهذه الحدّة، منذ كان رجل أعمال ومطوّر عقارات ونجم تلفزيوني، غير أن طبيعة النظام الأميركي، والقدرة على الاستفادة منه إلى أقصى حد، وتعلّماً من ولاية أولى (2017 ـ 2021)، سمح لترامب بالتفنّن في قراراته.

جديد تلك القرارات المتعلقة بالحرب الروسية على أوكرانيا، بدا ترامب وكأنه رفيق ليالي بوتين، قبل الافتراق عنه، ولو إلى حين، ملغياً لقاء قمّة محتملاً في بودابست، تاركاً الرئيس الروسي يهرول خلفه، كما بدا الأخير في كلمة له مساء الخميس، بقوله إن اللقاء تأجل ولم يُلغَ، فضلاً عن توجيه رسائل عدة إلى الأميركيين، يبدي فيها استعداده للتعاون. في المقابل، أظهر ترامب مراراً صورة "أبوية" في علاقته مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، كما تصادم معه مرّتين على الأقل، أشهرها مشادة البيت الأبيض في 28 فبراير/ شباط الماضي.

تناقضات ترامب بين بوتين وزيلينسكي تُربك المفاهيم السياسية، لكنها في الواقع تُربك الرجلين أيضاً. ومع أن زيلينسكي استوعب الرئيس الأميركي، متناغماً مع قراراته المتناقضة، في إطار "عدم إغضاب" رجلٍ يدّعي أنه أوقف ثمانية وتسعة حروب، لكن بوتين لم يتمكّن من ذلك، وربما لا يريد التحوّل إلى زيلينسكي آخر، ولا القبول بشروط أميركية في سياقات الحرب على أوكرانيا. بالعودة إلى الوراء أشهراً قليلة، كان ترامب مستعدّاً لإقناع زيلينسكي بترك الأراضي الأوكرانية التي احتلها الروس لمصلحة موسكو، كما اعتبر أن شبه جزيرة القرم الأوكرانية، التي ضمّتها روسيا بالقوة في عام 2014، إنما هي روسية. وجاهر ترامب عدّة مرّات برفض انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وحتى في لقائه أخيراً مع زيلينسكي، في 17 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، حاول تجميد القتال عند خطوط النزاع الحالية. ورفض ترامب تسليم زيلينسكي صواريخ "توماهوك".

في الواقع، قدم ترامب ما لم يقدّمه أي رئيس غربي لروسيا، حتى أنه استقبل بوتين في ألاسكا في 15 أغسطس/ آب الماضي. مع ذلك، لم يكترث الرئيس الروسي لكل هذه العروض. قد يكون جزءٌ من الرفض نابعاً من التوجس من شخصية ترامب، لكن أيضاً في شخصية بوتين رفض تامّ لأي علاقة غير متساوية مع الأميركيين. يرى ترامب العالم على قاعدة أن هناك أقوياء وهناك أميركا، فيما بوتين يتطلع إلى عالم متعدّد الأقطاب. كذلك، يندرج رفض بوتين في سرديّته في قراءة التاريخ الروسي والسوفييتي، وهي سردية، ككل سرديات التاريخ، قد تكون ناقصة أو مجهولة في بعض تفاصيلها. وهي السردية نفسها التي يسوقها بوتين في غزوه أوكرانيا، وسط استنزاف جيشه من دون أفق.

كان جلياً أن مثل هذه العلاقة الغريبة بين ترامب وبوتين ستُفضي إلى صدام، بفعل تعارض شخصيتيهما. يسعى ترامب إلى الاستحواذ على المساحات، أما بوتين فيميل إلى عزلةٍ تصنع وقاراً، متى خرج منها يفقد طوره. وهو ما أظهرته فيديوهات وصور لقاء ألاسكا في 15 أغسطس/ آب الماضي. يعلم بوتين أن تفادي الصدام ينبع من قبول شروط ترامب لتجميد القتال على خطوط النزاع في أوكرانيا. ومتى قبل بوتين بذلك يكون قد كتب نهاية سياسية قاسية له، إذ إنه لم يسيطر حتى على كامل مقاطعة لوغانسك في الشرق، وهو ما وجد فيه زيلينسكي فخاً أميركياً يُنهي الغزو ويبعد الروس عن أوكرانيا، لمرّة أخيرة.

6F7A33BD-9207-4660-8AF7-0EF5E3A4CD6C
بيار عقيقي
صحافي لبناني، عمل في صحف ومجلات ودوريات ومواقع لبنانية وعربية عدّة. من فريق عمل قسم السياسة في الصحيفة الورقية لـ"العربي الجديد".