بيت جن... وتهديدات نتنياهو
آثار دمار بعد قصف إسرائيلي في بيت جن جنوبي سورية (28/11/2025 الأناضول)
لاقى مشهد "التعطير" الذي ظهر فيه دونالد ترامب يرشّ الرئيس السوري أحمد الشرع بالعطر انتشاراً واسعاً على منصّات التواصل، واستعمله كل من المؤيدين والمعارضين في سورية لصالحه، ولكنه يبقى مشهداً أيقونياً يعكس طريقة ترامب في التعامل مع قادة الدول الأخرى، فبالنظر إلى طريقة حواره الحادّة مع الرئيس الأوكراني زيلينسكي، ندرك مدى جدّية القبول الذي يحظى به الشرع أميركياً في الوقت الحالي، وتتعزّز هذه القناعة إذا ما قُرئت مع الرسالة المصوّرة القصيرة ذات المضمون الكبير التي أرسلها ترامب إلى الشرع مع مبعوثه توم برّاك قبل أيام، فقد أبدى فيها الرئيس الأميركي، ومرّة أخرى بطريقة ترامبية، الكثير من المعاني ذات المضمون السياسي تجاه سورية الجديدة، وليس فقط رئيسها. وهنا لا بد من التوضيح أن الأعراف الدولية تتجاوز الأشخاص وتركز على السياسات مع الدول، وبالدرجة الأولى على المصالح. والمصالح هنا تبدو متبادلة، ويمكن تفهمها في ظل وضع سورية التي ما زالت تتلمّس طريقها للخروج من تحت الأنقاض، والطموح الأميركي الذي يبدو أنه يبحث بجدّ عن حليف محلي يوسّع فيه دائرة علاقاته لتشمل سورية، ولكن هذه المصالح المشتركة، والتي يدركها الطرفان، لا تنسجم مع مطامع إسرائيلية في الوصول إلى اتفاق مع سورية يتجاوز الاتفاقيات السابقة، ويحوّل كل الجنوب السوري حتى حدود دمشق إلى حديقة خلفية، وهو ما تعارضه سورية وبشدّة.
عشية مرور 365 يوماً على هروب بشّار الأسد ووصول الشرع إلى المسجد الأموي في دمشق، مرّت مياه كثيرة، وأُعيد تشكيل الدولة بشكل سريع، وجرى ترميم كثير من العلاقات العربية والدولية، ما عكس الزيارات الكثيفة التي شهدتها دمشق، وكان جديدها لوفد مجلس الأمن الخميس، وما زالت المعضلة الإسرائيلية تراوح في المكان نفسه، رغم أن الشرع، ومع وصوله إلى قصر قاسيون، أعطى للصراع مع إسرائيل عناوين جديدة تلقفتها إسرائيل، لكن الأخيرة يبدو أنها تمادت في فهمها، فكثفت اعتداءاتها على الأراضي السورية، وفرضت هيمنة عسكرية على جبل الشيخ، وتدخّلت بسلاحها وطيرانها خلال تعاطي الحكومة الجديدة مع مشكلاتها الداخلية، ما أحدث عقبة في الجنوب السوري، وهو المكان الذي ترغب إسرائيل في فرض شروطها عليه، لتُحيله إلى مساحة خالية من السلاح، تنعم فيه حدودها بالراحة، مع هامش لمواجهات داخلية في سورية استهلكت الجهود، وأسّست لحالة من الاستعصاء، عرقلت برنامج النمو الطموح الذي باشرته الحكومة بمشاركة أطراف إقليمية ودولية، ووتّرت المحادثات المباشرة التي كانت تجري بين دمشق وتل أبيب، فلزم الطرف السوري صمتاً حذراً، فيما تمادت إسرائيل مرّة أخرى في ممارسة الخروقات التي ازداد عمقها، وتحوّل بعضها إلى مواجهات دموية في بيت جن، اتهمت فيها إسرائيل الحكومة السورية، بشكل مباشر، برعاية أعمال عسكرية موجّهة ضدّها، ووصل الأمر إلى ادّعاءات بأن الحوثيين يتدرّبون في سورية، وهو اتهام شبه كوميدي، ولا يتسق مع مجرى الأحداث في سورية منذ 8 ديسمبر (2024).
قد يكون التدخل الأميركي في هذا الوقت ضرورياً، فإسرائيل حليف قديم للولايات المتحدة، وتحظى بدعم رسمي وشعبي هناك، أما سورية فحليفٌ محتمل، تبدو أميركا شديدة التعويل عليه، وتعكس مواقف ترامب وتصريحاته هذا، وقد جاءت رسالته الحميمة والخاصة في أعقاب حوادث بيت جن الدامية. وتبدو نيّة الولايات المتحدة حقيقية في التدخّل لحسم العلاقات السورية الإسرائيلية. وهناك يتواجه حليفان لها، أحدهما قديم والآخر جديد وواعد، ويمكن البناء عليه. وتجاه هذا الوضع، على أميركا أن تكون منصفة، والإنصاف هنا يعني أن يتوقف نتنياهو عن إطلاق التهديدات والمبالغة في رفع سقف التفاوض. ولا يعني هذا أن تبقى سورية مجرّد شاهد يتلطى بالموقف الأميركي، ولكن عليها التركيز على نقاط القوة، وهي موجودة عندها. وقد تكون أحداث بيت جن شاهداً على ذلك، فقد واجه التدخّل الإسرائيلي مقاومة شعبية تعكس حالة لا بد أن تأخذها إسرائيل في حسابها في المفاوضات المقبلة.