تأملات في الحدث الفنزويلي
عاش العالم حالةً من الصدمة السبت الماضي، وهو يتابع عبر قنوات الأخبار العملية الأميركية التي قادت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. فعلى الرغم من أن دونالد ترامب ظل يتوعّد مادورو منذ أسابيع، إلا أن أغلب الناس كانوا يعتبرون ذلك مجرّد نوع من الضغط الخشن.
منذ البداية، سادت عدّة قراءات للحدث أبرزها تركّز في اعتبار أن الشرعية الدولية، وما يرتبط بها من قوانين ومؤسّسات، لم يعد لها معنىً بعد أن وصل الأمر إلى حدّ أن يقوم رئيس دولة باعتقال رئيس آخر واقتياده إلى خارج البلاد "مختطفاً" بغرض محاكمته. نجحت هذه المشاهد بالفعل في جذب كثير من التضامن والتعاطف، خاصةً في أوساط اليساريين وغيرهم ممَّن يصنّفون أنفسهم في فريق معاداة الهيمنة الأميركية، الذين رأوا في العملية إهانةً لا تقتصر على مادورو، بل تمتدّ لتخاطبهم جميعاً.
القراءة، التي تعتمد على فكرة "الاستثناء الترامبي"، ليست دقيقةً تماماً؛ فعلى مرّ عقود كانت الولايات المتحدة تُشبَّه بالثور الهائج الذي لا يمكن التحكّم بتصرفات
كان الأمر هذه المرّة مختلفاً حتى عمّا قامت به الولايات المتحدة إبّان غزو العراق. على الأقل، بذل الأميركيون في ذلك الوقت جهداً أكبر لمحاولة إقناع العالم بالجدوى الأخلاقية لتلك الحرب، عبر الحديث عمّا يمثّله النظام العراقي من خطر. صحيح أن تلك المبررات كلّها كانت واهيةً، وما لبث أن ثبت كذبها، إلا أنها على الأقل كانت محاولةً للتمسّك ببعض الشرعية.
في حالة فنزويلا، تحدّث الأميركيون عن عصابات الجريمة وعن الإرهاب المرتبط بالمخدّرات، وعن مادورو نفسه بوصفه مجرّد مجرم خطير على العالم، لكن الجميع كان يدرك أن الهدف من هذا التحشيد كلّه لم يكن ملاحقة تجّار المخدّرات، ولا تحقيق الديمقراطية لشعب فنزويلا، وإنما النفط الذي تحتاجه الولايات المتحدة.
يرى معلّقون على الحدث أن الرئيس ترامب شخص متهوّر قادر على الذهاب إلى أبعد مدى من أجل تحقيق مصالحه. ما نقوله إن هذه القراءة، التي تعتمد على فكرة "الاستثناء الترامبي"، ليست دقيقةً تماماً؛ فعلى مرّ العقود الماضية كانت الولايات المتحدة تُشبَّه بالثور الهائج، الذي لا يمكن التحكّم بتصرفاته، ولا يتردد في إدخال نفسه في حروب معقّدة إذا اقتنع أن فيها فوائد.
بهذا، لا تكون النظرة الواقعية إلى العملية باعتبارها مجرّد عمل من بنات أفكار رئيس متهوّر، وإنما امتداد لسلوك أميركي قديم. استند التحرّك الأميركي إلى قراءة وزير الخارجية اللاتيني الأصل، ماركو روبيو، الذي يمتلك أسباباً شخصيةً تجعله يعادي النظم الشيوعية كلّها، كما استند إلى تحذير مؤسّسات مرتبطة بصنع القرار من الاعتماد حصرياً على النفط العربي. يقول التحذير إن المنطقة العربية توفّر أجود أنواع النفط، لكن هذا لا يكفي، لأن إنتاجه وتصديره قد يتعرّضا للانقطاع لأيّ سبب طارئ، كاندلاع حرب في المنطقة مثلاً. فنزويلا الغنية باحتياطات النفط، التي تتمتّع بعدّة مزايا أهمها القرب الجغرافي من الولايات المتحدة، يمكن أن تشكّل بديلاً مناسباً، كما ستتضاعف الفائدة عبر التخلّص من النظام اليساري، الذي يربط نفسه بمحاور خطرة مثل الصين وإيران وروسيا.
في هذا الإطار أيضاً، يمكن النظر إلى حصول المُعارِضة ماريا ماتشادو على جائزة نوبل للسلام خطوةً في اتجاه التمهيد للتغيير المقبل، وهو ما يفسّر لماذا لم يكن ترامب غاضباً وهو يرى الجائزة، التي كان يتوقّعها لنفسه، تذهب إلى شخص آخر. لقد أدّت الجائزة دورها، فسلّطت الضوء على فنزويلا باعتباره بلداً محكوماً بالديكتاتورية والفساد وينتظر إنقاذ المنقذين. ضمن هذه الصورة أيضاً، يمكننا أن نفهم سرّ التواطؤ الرسمي الغربي، الذي لم يُبد اعتراضاً عالياً على الخطوة الأميركية.
الذين انتقدوا هذا التطوّر اللافت لم يفعلوا ذلك حبّاً في فنزويلا أو رئيسها، وإنما خشيةً من أن تكون تلك سابقة قد تتكرّر قريباً، ليس في البلدان البعيدة فقط، ولكن حتى في مناطق مثل جزيرة غرينلاند، التي جدّد ترامب خلال الأسبوع الجاري رغبته في الحصول عليها، فيما لم تفعل رئيسة الوزراء الدنماركية شيئاً حيال ذلك سوى التعبير عن الاعتراض الدبلوماسي.
الملاحظة الأخرى على هذا الحدث المهم، ذلك الانفصال عن الواقع، الذي اتسمت به حكومة مادورو، التي بدت مرتبكةً وعاجزةً وهي تحاول ساعات طويلة إنكار ما حدث، فيما كانت الدعاية الرسمية تحاول أن تطمئن الناس معتبرةً أن الأمر لا يعدو أن يكون حرباً نفسية. الأنظمة الديماغوجية لا تستطيع أن تفهم الحقيقة البسيطة، وهي أن الكذب لا يفيد، وأن الحفاظ على الروح المعنوية لا يتحقّق بقلب الحقائق ولا بخداع الناس.
مشاهد الاحتفالات الفنزويلية تخبرنا أن بإمكان الشعوب أن تصل إلى مرحلة من اليأس
المشكلة، التي تظهر في كل مرّة يحدث فيها تغوّل أميركي كهذا، هي أن المتعاطفين يجدون أنفسهم في مأزق: فهم من ناحية يرون أن هذا العمل مخالف للقانون الدولي ويرسي مبدأ الفوضى وقانون الغاب، ومن ناحية أخرى فإن هذا التعاطف يجرّهم جرّاً إلى الدفاع عن زعماء وقادة ديكتاتوريين وفاشلين يصعب الدفاع عنهم، من أمثال مادورو، الذين كانوا يرفعون شعار مناهضة الغرب بيد، فيما يمسكون العصا لشعبهم باليد الأخرى.
مشاهد الاحتفالات الفنزويلية تخبرنا أن بإمكان الشعوب أن تصل إلى مرحلة من اليأس لا يعود بعدها للحسّ الوطني معنى، بل لا يعود، في نظر عامة المقهورين، هنالك فارق بين الإذلال على أيدي الزعماء المحليين أو القادمين الأجانب. الأسوأ من ذلك هو أن تصل تلك الشعوب إلى حدّ القول إنه لن يكون هناك أسوأ ممّا نعيشه، وهو ما يقود إلى الترحيب بالتغيير، مهما كان نوعه، من دون اكتراث بنيّات من يختبئون خلفه.
لا أنظر بهذا إلى المحتفلين بسقوط مادورو على أنهم عملاء للأميركيين، أو أنهم أعداء لبلدهم، بل أراهم مجرّد ضحايا يائسين ظلّوا ينتظرون عقوداً أن تتحسّن الأحوال، وأن يجدوا عيشاً كريماً في بلد يتحدث الجميع عن ثروته وغناه، اللذين حُرموا منهما.