ترامب عشية كأس العالم

09 مايو 2026
+ الخط -

لا يحتاج الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أكثر من تهدئة الأمور لتمرير بطولة كأس العالم لكرة القدم (بين 11 يونيو/حزيران و19 يوليو/ تموز المقبلَين) التي تستضيف بلاده حصّة الأسد من مبارياتها الـ104، إلى جانب بضع مباريات في المكسيك وكندا. وتتزامن تلك المرحلة مع الذكرى الـ250 للعيد الوطني الأميركي، في 4 يوليو، مع ما يحمله من رمزية لترامب، ولتثبيت مبدأ "أميركا أولاً". في مثل هذه الحالات، يُصبح تبريد الجبهات العسكرية والسياسية عاملاً جوهرياً في تسيير خطوات الرئيس الأميركي، بدءاً من إنهاء مسألة إيران، بأيّ طريقة، مروراً بعدم تحوّل الجبهة اللبنانية وقطاع غزّة إلى مشكلة مركزية، مروراً باحتواء أيّ محاولة روسية لشنّ هجوم صيفي واسع على دونيتسك وزابوريجيا خصوصاً، في أوكرانيا. كذلك، سينصرف الرئيس الأميركي إلى تمرير تلك المرحلة، سواء بالإشادة بمنتخب بلاده، في حال تحقيقه نتائج جيّدة، أو انتقاده في حال تحقيق نتائج سيئة، فضلاً عن انتقاد سلفه جو بايدن. وسيكون ترامب "نجماً" في تلك الفترة لتصحيح صورة داخلية اهتزّت.

يعني هذا أنّ الملفّات التي ستُخفَّض وتيرة سرعتها أو تدخل قائمة الانتظار، معرّضة أيضاً، بعد انتهاء كأس العالم، لعامل من اثنين: الأول استمرار برودتها على قاعدة تكيّف مختلف عناصر تلك الملفّات مع التطوّرات، ما يُفضي إلى نشوء حالات ثانوية آيلة للتحوّل إلى حالات أساسية. مثالاً، أن تُصبح القضية مع إيران ملفّاً مفتوحاً بلا نهاية، لا في الداخل الإيراني ولا في محيطها، ما يعزّز الخلافات الداخلية بين الإيرانيين، والخلافات مع الخارج. وسيُنشئ، وفق هذا، حالات جديدة مجهولة المعالم. الأمر نفسه سينطبق على لبنان وغزّة وأوكرانيا وملفّات عدّة. العامل الثاني يتمحور حول نيّة ترامب حسم ما تيسّر من ملفّات، بدءاً من إيران، بسرعة كافية، ما يسمح له بالتفرّغ للانتخابات النصفية المقرّرة في الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. لا يتصرّف ترامب رئيساً لولاية ثانية وأخيرة، وأنّ نهاية عهده اقتربت، بل يريد، بحسب شخصيته، الإبقاء على سيطرته على القرار الأميركي، من خلال إحكام القبضة على الكونغرس بغرفتَيه؛ الشيوخ والنوّاب. لذلك، يعلم أنّ الطاقة هي مفتاح الاقتصاد والناخبين، والاستعجال في خفض أسعار المواد النفطية، قبل الانتخابات، قد يُسعف الإدارة الجمهورية في المحافظة (أقلّه) على مجلس الشيوخ، رغم أنّ ترسيم الدوائر الانتخابية في ولاياتٍ عديدة سيُسهم في ثبات الجمهوريين بعض الشيء. مع هذا، من المرتقب أن يعمد ترامب إلى استخدام الأوامر التنفيذية بكثافة، لكبح جماح نموّ أيّ معارضة ديمقراطية. هذه النافذة المتاحة قبل صافرة أولى مباريات كأس العالم، قابلة للتبدّل في مسارها المستقبلي والغامض، ما يترك ترقّب الأطراف المعنية بأبرز الملفّات، في أعلى درجاته.

في المقابل، أرجأ ترامب احتمال بروز عالم متعدّد الأقطاب، لا مع الصين وروسيا ولا مع غيرهما. حتى طرحه مشاركة دول عدّة في تأمين مضيق هرمز، فإنّه يأتي في سياق إعطاء الأوامر أكثر من مفهوم الهرب من ساحة قتال. بطبيعة الحال، فإنّ ترسيخ أولوية القرار الأميركي بات قناعة في موسكو وبكين، المنكفئتين عن تحدّي واشنطن. وقد تكون هذه المرّة الأولى، منذ تفكّك الاتحاد السوفييتي في 1991، التي تبدو فيها الدول حائرة نسبياً، مرتبطة، بصورة أو بأخرى، بما يقوله أو يفعله ترامب. الأمر ليس تفصيلاً، بل يمسّ جوهر نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية (1939ـ 1945)، الذي إن حصلت فيه بعض أنواع التمرّدات السياسية، فإنّه كثيراً ما آل في النهاية إلى الأميركيين. ومثل هذا النظام، الذي لم يتمكّن أحد من الاقتراب منه عسكرياً وسياسياً، أصبح أكثر قوّةً في الفترة الماضية، في حين أنّ الصين، الوحيدة القادرة منطقياً على زعزعة المكانة الاقتصادية الأميركية، ارتضت بدورها وصيفةً لأميركا حتى إشعار آخر.

6F7A33BD-9207-4660-8AF7-0EF5E3A4CD6C
بيار عقيقي
صحافي لبناني، عمل في صحف ومجلات ودوريات ومواقع لبنانية وعربية عدّة. من فريق عمل قسم السياسة في الصحيفة الورقية لـ"العربي الجديد".