ترسيمُ الهدنة الملغومة في غزّة
أصدر مجلس الأمن، الاثنين الماضي، قراراً بتبنّي خطّة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في قطاع غزّة. ومن أبرز ما تضمنه ترحيبه بتأسيس ''مجلس السلام''، الذي سيتولى الإشراف على إعادة إعمار القطاع، ودعوته إلى استئناف دخول المساعدات الإنسانية وإنشاء قوة استقرار دولية مؤقتة تعمل تحت قيادة موحّدة، بالتنسيق مع مصر وإسرائيل، يكون من مهامها مساعدة ''مجلس السلام'' في مراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، ونزع السلاح من غزّة وحماية المدنيين وتدريب الشرطة الفلسطينية وتأمين الممرّات الإنسانية. ويبقى اللافتُ في القرار أنه لا يتضمّن مساراً واضحاً يُفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة؛ هناك فقط إشارة إلى أن ''إصلاح السلطة الفلسطينية والتقدّم في إعادة الإعمار قد يُهيئان الظروف لمسار نحو قيام الدولة الفلسطينية''. وهو ما قد يبدو حلا وسطا بين رفض دولة الاحتلال، بكل مكوناتها، قيام هذه الدولة، والمطلب العربي والإسلامي بضرورة ربط نهاية الصراع بحل الدولتين في الخطة الأميركية وقرار مجلس الأمن.
نجحت الإدارة الأميركية، إذن، في توفير شرعية دولية لخطّتها لإنهاء الحرب. لكن ذلك لا يبدو أنه يبدّد المخاوف من استئناف دولة الاحتلال الحرب على غزّة؛ فاتفاق وقف إطلاق النار، الذي نجح الوسطاء في إرسائه بصعوبة بالغة في الشهر الفائت (أكتوبر/ تشرين الأول)، يبقى أكثر هشاشة من أي وقت مضى، أمام الانتهاكات الإسرائيلية المتكرّرة، وإصرار حكومة نتنياهو على المضي في مخططاتها الرامية إلى ضم الضفة الغربية وتهجير سكانها، ضمن استراتيجيتها لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بعد تصفية القضية الفلسطينية.
في المنحى نفسه، لا تضمن الخطة الأميركية، بالنسبة لنتنياهو، نزع سلاح حركة حماس وتفكيك ما تبقى من منظومتها العسكرية وتجفيف منابع ''الإرهاب الفلسطيني''. لكنها في الآن نفسه تفتح أمامه أفقا لإقناع الإدارة الأميركية باستئناف الحرب في حال إخفاق قوة الاستقرار الدولية في القيام بذلك.
كانت موافقة الحكومة الإسرائيلية على اتفاق وقف إطلاق النار على مضض نتيجة الضغوط الأميركية. ولذلك، الأوليات التي سطرتها عند بداية الحرب، قبل أكثر من سنتين، وفي مقدمتها القضاء على "حماس" وتنفيذ مخطط التهجير، لا تزال حاضرة لدى نتنياهو وغيره من قادة اليمين الديني الصهيوني المتطرّف؛ هناك قناعة لدى طيف عريض من النخبة الإسرائيلية بأنه لم يعد لدى إسرائيل ما تخسره بعد أن فقدت سرديتُها، التي بنتها على ''المظلومية اليهودية''، مساحاتٍ واسعةً داخل الرأي العام الغربي، وباتت تواجه عزلة دولية غير مسبوقة.
لم يُفض اتفاق وقف إطلاق النار إلى إيجاد بيئة إقليمية ملائمة لإحلال هدنة مستدامة (حتى لا نقول سلاما)، بسبب إصرار اليمين الديني الصهيوني المتطرّف على استخلاص عائدات الحرب في شكل مشاريع متكاملة للتهجير والاستيطان والتهويد والأسْرلـة. من هنا، يمثل صدور قرار مجلس الأمن تدويلاً لا يصبّ في مصلحة إسرائيل، التي كانت تتطلّع إلى إبقاء الوضع في غزّة كما هو، بغاية فرض الأمر الواقع، الذي لا يعني غير بقاء قواتها في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وتكثيف الضغط العسكري على المقاومة لتقديم تنازلاتٍ تغير معادلة الصراع في غزّة برمتها بعيداً عن أي ترتيبات إقليمية أو دولية.
من ناحية أخرى، يطرح قرار مجلس الأمن تحدّيات تخص مستقبل حركة حماس ونزع سلاحها. ليست هناك مؤشّرات إلى أن الحركة قد تآكلت من ناحية كونها قوة اجتماعية وسياسية في القطاع، بل على العكس، هناك تقارير إسرائيلية وأميركية تتحدّث عن ''نجاحها في تعزيز قوتها خلال الأسابيع الأخيرة''، و''ارتفاعٍ ملموس في شعبيتها بعد وقف إطلاق النار''. كما أن بيان الحركة كان واضحا عقب قرار مجلس الأمن، إذ اعتبره ''تمهيدا للوصاية الدولية على قطاع غزة''، مشدّداً على رفض الحركة ''أي نقاش في ملف نزع سلاحها''.
في المحصلة، يبقى قرار مجلس الأمن ترسيما لهدنة ملغومة، قد تنهار في أي لحظة، إذا ما رأى الطرفان، خصوصاً إسرائيل، أن تنفيذ مقتضياته قد يأخذ مساراً يهدّد استراتيجيتها في القطاع والإقليم.