تركيا واستراتيجية الأمن القومي الأميركي
حين يتأكّد التراجع عن سياسة تغيير الأنظمة في الشرق الأوسط، وتترك الأمور لتعامل الدول مع بعضها، مع "تأكّيد مركّز" على دور إسرائيل وتفوّقها وتسيّدها المنطقة، وبعد ضرب إيران وإضعاف دورها، يبرز دور تركيا بوصفها دولة ثالثة فاعلة ومُقرِّرة في المنطقة إلى جانب إيران وإسرائيل التي تريد استكمال إضعاف إيران، ولا تريد هذا الدور لتركيا. ومع العلاقات الأميركية - التركية المميّزة اليوم، وإشادات ترامب بالرئيس التركي، آخذين بالاعتبار التغيير الاستراتيجي الكبير الذي حصل في سورية، وكان لتركيا طبعاً دور مهم فيه، تصبح سورية، جغرافياً وسياسياً وحجماً ودوراً، بالغة الأهمية بالنسبة لإسرائيل على مدى عقود من الزمن.
لن تقبل إسرائيل أي محاولة لإعادة إنتاج أي قوة مُهدِّدة لها على حدودها أو على مسافات معينة منها
منذ وصول الشرع إلى دمشق، بادرت إسرائيل إلى ضرب مقدّرات الجيش السوري من دون مبرّر منطقي، مع تأكيد القيادة الجديدة أنها لا تريد حرباً، وأنها ملتزمة بالاتفاقات المُوقّعة، لا سيّما فكّ الاشتباك عام 1974. واحتلّت إسرائيل جبل الشيخ ومناطق محيطة به. وأكّد وزير دفاعها قبل أيام: "لن ننسحب مليمتراً واحداً من الأراضي التي نوجد فيها". ثم ضربت مواقع كان يمكن أن تكون مراكز لتجهيزات تعزّز إمكانات الجيش السوري، وبدأ ترويج حملات ضدّ تركيا بقوة، تتهم الأخيرة بأنها تعتبر "إسرائيل العدو رقم واحد اليوم"، وتتحدّث عن "خطورة الحضور التركي في سورية الذي يترك انعكاساً على التحرّك الإسرائيلي في الأجواء السورية، ويتعدّاه إلى ما يتعلّق بالمسارات الجوّية التي تستخدمها إسرائيل تجاه إيران". وحُذِّر من أن "أي رادار تركي يُنصَب في الأراضي السورية قد يتيح رصد طائرات إسرائيلية خلال توجّهها لتنفيذ عمليات في إيران ومناطق أخرى في العراق"، أي إن المطلوب استباحة كل الأجواء من دون عوائق.
يضاف إلى ذلك اعتبار أن الجيش التركي قوي، مكوّن من ثمانمائة ألف جندي، وأنه يزيد تعزيز قواته الجوية بطائرات إف-35 المتطوّرة. وبالتالي، تريد إسرائيل زعزعة الوضع في الداخل التركي، وتطويق تركيا، وإضعافها، والتأثير والتغيير في مستوى ومضمون العلاقات التركية - الأميركية. واللافت أيضاً إشارات إسرائيلية تقول: "في السابق كان ثمّة دولة قوية تفصل بيننا، أي سورية. اليوم النظام الجديد يفتح لها الحدود. ساحتها مفتوحة. لا يمكن أن نقبل ذلك". وهذا يعيدنا إلى اللعبة السورية القديمة بين تركيا وإسرائيل: سورية منطقة فاصلة، لا حرب مع إسرائيل، ولا مواجهات في الأرض السورية، والتزام فكّ الاشتباك عام 1974، والتزام تام بالاتفاقات التي عقدت مع كيسنجر، مع استخدام كل الأوراق بوجه الطرفَيْن التركي والإسرائيلي عندما تقضي الحاجة. لعبة الجغرافيا مهمة: في مرحلة استُخدم الأكراد وقضيتهم في لبنان والداخل ضدّ تركيا، وفي مرحلة أخرى، جرى تسليم عبد الله أوجلان، وفي مراحل لاحقة حصل تفاهم مع تركيا للتواصل والحوارات مع إسرائيل، وفي لحظات معينة كانت هناك مواجهة بالواسطة مع الأخيرة في الأرض اللبنانية.
الواضح الآن، وبعد التطوّرات التي حصلت من ضرب إيران، إلى الحرب على حركة حماس وما تحقّق، ومن ضرب حزب الله في لبنان وقتل معظم قادته ورموزه الأساسيين، واستمرار الحرب المفتوحة ضدّه في مجالات مختلفة واستهدافه في سورية، ثم سقوط نظامها، وبالتالي "تنظيف" المنطقة من جنوب لبنان إلى طهران، كما يقول الإسرائيليون، ولاحقاً ضرب المقدّرات العسكرية السورية؛ لن تقبل إسرائيل أي محاولة لإعادة إنتاج أي قوة مُهدِّدة لها على حدودها أو على مسافات معينة منها. وقد فعلت ذلك سابقاً برعاية روسية مع النظام السوري السابق، عندما أبعدت الصواريخ الإيرانية عن حدودها مقابل التزامها بعدم ضرب مقارّ النظام، من رئاسة الجمهورية إلى المقارّ الأمنية، والتزمت بذلك إلى أن تفاقم الوضع وبدأت تدرك خطر الصواريخ الإيرانية التقليدية أو الدقيقة المتطوّرة الموجودة في سورية ولبنان. يومها قالت للروس: "لقد سحبتم الصواريخ إلى عمق مائة كيلومتر في الداخل، ولكن مدى الصواريخ يصل إلى مائتي كيلومتراً وأكثر، وبالتالي أمننا مُهدَّد". وبدأ العدّ العكسي للحروب التي حصلت.
سيستمر استهداف التركيبة الجديدة في سورية، ولعبة الفوضى والتفتيت وصناعة الفتن المذهبية والعرقية ستأخذ مدى قوياً في المرحلة المقبلة
وعندما سقط النظام وخرجت إيران وحزب الله من سورية، وأرادت تركيا أن تكون داعماً وسنداً للتركيبة الجديدة، ضُربت كل المقارّ وصولاً إلى القصر الجمهوري ورئاسة الأركان، وهما الموقعان اللذان حيّدا عندما التزم بشّار الأسد بالاتفاقات التي توصّل إليها الروس.
في العقل الإسرائيلي، لا مكان اليوم لدور تركي يهدّد ويقلق الدولة السيّدة المتفوّقة في المنطقة، وهي مستعدّة لفعل أي شيء لمعالجة هذا الخطر المُحدِق بها. شاهدنا في الأيام الماضية اتفاقاً "إسرائيلياً - قبرصياً - يونانياً" واضحاً ضدّ تركيا. وسبق ذلك مناورات عسكرية في اليونان، إضافة إلى تفاهمات حول إمدادات النفط والغاز إلى أوروبا، والمفتاح الأساسي فيها إسرائيل. واستهداف التركيبة الجديدة في سورية سيستمر، ولعبة الفوضى والتفتيت وصناعة الفتن المذهبية والعرقية ستأخذ مدى قوياً في المرحلة المقبلة.
السؤال هنا: ماذا سيفعل ترامب مع نتنياهو فيما يخصّ الاستباحة الإسرائيلية لسورية، في ظلّ احتضانه قيادتها الجديدة وإشادته بها؟ وتركيا تملك، في المقابل، أوراقاً ستستخدمها بالتأكيد، لكنّها ستواجه تحدّيات كبيرة في هذا الصراع، فيما يشيد ترامب بصدقية أردوغان وعلاقته المتينة به.