ثقافة الاستقالة الفلسطينية

26 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 01:51 (توقيت القدس)

(عبد عابدي)

+ الخط -

شهدت التجربة الفلسطينية في منظّمة التحرير وفصائلها، التي تقترب ذكرى انطلاقتها الستّين، ثلاث استقالات فقط. استقالة كلٍّ من شفيق الحوت ومحمود درويش في 1993 من عضوية اللجنة التنفيذية للمنظمة، احتجاجاً على توقيع اتفاق إعلان المبادئ (أوسلو) الانتقالي مع إسرائيل. والثالثة، استقالة جورج حبش من الأمانة العامة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في العام 2000.
لم تكن استقالة الحوت ودرويش مؤثّرة في الحالة الفلسطينية، لأنهما شغلا موقعَيْن هامشيَّيْن في عمل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ولم يكونا من قادة الفصائل الفلسطينية، فهما عضوان في اللجنة التنفيذية بوصفهما مستقلَّيْن. بينما جاءت استقالة حبش من الأمانة العامة للجبهة، بعد تراجعٍ كبيرٍ لدورها في الساحة الفلسطينية، وبقي حتى بعد استقالته له تأثير في مواقف الجبهة، واحتفظ بمكتب الأمانة العامة وحوّله إلى مركز أبحاث (مركز الغد العربي للدراسات). ورغم ملاحظات يمكن أن تُقال عن استقالة حبش، إلا أنها كانت الاستقالة الوحيدة الحقيقية والمؤثّرة في التجربة الفلسطينية، والتي لم تتكرّر ولم تصبح نموذجاً يحتذى في الساحة الفلسطينية.

معالجة الخلافات الفلسطينية بالانشقاقات معالجةً مكلفةً لأنها أضعفت الحركة الوطنية الفلسطينية. ولأن هذه الحركة كانت عرضةً لتدخّلٍ من الدول العربية

سيطر الجيل الفلسطيني الذي ولد في ثلاثينيات القرن المنصرم وأربعينياته في الساحة السياسية الفلسطينية، منذ انطلاقة العمل الفدائي الفلسطيني. فعلى مدى ستّة عقود، احتكر هذا الجيل مفاصل العمل السياسي الفلسطيني، وكل مَن غاب من الساحة لم يكن باستقالة، إنما بفعل الاغتيال الإسرائيلي، كحالات كمال عدوان وأبو يوسف النجّار وأبو جهاد الوزير وغيرهم، أو بفعل إرادة إلهية كحالة ياسر عرفات. لم تُحلّ أيُّ خلافات داخلية في التجربة الفلسطينية من خلال الاستقالة، ولأن الفصائل اعتبرت نفسها قوىً ثوريةً، فإن الخلاف الداخلي الذي لا يُحلُّ في النقاش الداخلي، كان يخرج إلى العلن، ويتحوّل إلى انشقاق عن الفصيل الأمّ. ولدت الجبهة الديمقراطية بانشقاق عن الجبهة الشعبية (1969)، وانشقّت حركة فدا عن الجبهة الديمقراطية (1991). وانشقّت الجبهة الشعبية– القيادة العامة عن الجبهة الشعبية (1968)، وانشقّت جبهة التحرير عن الجبهة الشعبية–القيادة العامة (1977). ولم تكن هذه الانشقاقات الوحيدة عن الجبهة الشعبية، وهناك قوى انشقت واختفت مثل الجبهة الثورية، وحزب العمّال الشيوعي الفلسطيني.
لم تنجُ حركة فتح من الانشقاقات أيضاً، فقد شهدت انشقاق حركة فتح– المجلس الثوري بقيادة صبري البنّا (أبو نضال) الذي تحوّل إلى "بندقية للإيجار"، وكانت الاغتيالات مهمته الرئيسة، فاغتال فلسطينيين عديدين، منهم صلاح خلف (أبو إياد) وعصام الصرطاوي، وغيرهما. كان الانشقاق في حركة فتح في 1983 الأكبر والأكثر تأثيراً في الساحة الفلسطينية، وقد شقّ على هامشه فصائل صغيرة، مثل جبهة التحرير الفلسطينية، وجبهة النضال الشعبي. جاء هذا الانشقاق مدعوماً من النظام السوري للسيطرة على الورقة الفلسطينية بعد الخروج من بيروت بفعل الاجتياح الإسرائيلي للبنان في 1982. اتخذ هذا الانشقاق اسم "فتح– الانتفاضة" لاحقاً، وفجّر حرباً داخليةً فلسطينيةً فلسطينيةً دمويةً، كانت نتيجتها إضعاف الوضع الفلسطيني، وخروج ما تبقّى من الوجود العسكري التابع لحركة فتح من مدينة طرابلس اللبنانية التي حاصر فيها المنشقّون وحلفاؤهم ياسر عرفات ومقاتلي حركة فتح، ما جعلهم يخرجون مرّة أخرى في السفن من طرابلس، كما خرجوا قبل عام من بيروت بفعل حرب إسرائيلية.
كانت معالجة الخلافات الفلسطينية بالانشقاقات معالجةً مكلفةً لأنها اضعفت الحركة الوطنية الفلسطينية. ولأن هذه الحركة كانت عرضةً لتدخّلٍ من الدول العربية، وكان لبعض الدول مثل العراق وسورية فصائل تابعة لها ممثّلة في منظمة التحرير وتأتمر بأمرها، مثل الجبهة الشعبية– القيادة العامّة والصاعقة التابعان لسورية، وجبهة التحرير العربية المُدارة من العراق. وحتى ليبيا لم تكن بعيدة من التدخّل في الساحة الفلسطينية، فقد دعمت بالمال والسلاح انشقاق 1983 ضدّ ياسر عرفات.

لا يمكن القول إن هناك ساحة عمل سياسي، بالمعنى الحديث والحقيقي للكلمة، من دون أن تكون الاستقالة جزءاً منها

كانت التجربة الفلسطينية تسير باتجاه مزيدٍ من الضعف، بفعل الخلافات الداخلية وتعقيدات القضية الفلسطينية، والتدخّل العربي الذي أخذ شكلَيْن. دول عربية أرادت التأثير في قرار منظّمة التحرير. ودول أخرى، لم تكتفِ بالتأثير في قراراتها، بل أرادتها ورقة مساومة في يدها، كحالة سورية.
ترافقت سيطرة جيل الثلاثينيات والأربعينيات على القرار الفلسطيني، واتّخاذ الانشقاقات نموذجاً لحلّ الخلافات في الفصائل الفلسطينية، مع ظاهرة صامته للاحتجاج السياسي، تمثّلت بانسحاب الكوادر الوسطى في العمل الوطني من الفصائل الفلسطينية، وهو ما يمكن اعتباره استقالةً جماعيةً لجزء كبير من كوادر العمل الوطني في الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن المنصرم. لم يرَ هؤلاء أن لهم درواً مؤثّراً في التجربة في ظلّ الهيمنة الجيلية، ولم يقتصر هذا الانسحاب على فصيل دون آخر، بل شمل الجميع، وباتت الساحة الفلسطينية السياسية أقرب إلى سوق العملات، تطرد العملات الرديئة العملات الجيّدة، وفي الفصائل، حيث الأزلام يطردون الكوادر. بات النقاش الفلسطيني الحقيقي، يجري خارج الفصائل المشلولة بكلّ معنى الكلمة، فصائل يتعلّق وجودها بـ"الكوتا" المالية من منظّمة التحرير، بعد توقّف جميع الدول العربية عن دعم فصائل بعينها. من دون هذه الحصّة المالية، لا يبقى في الفصائل من يطفئ الضوء لإغلاق المكتب الأخير.
ليست الاستقالة جزءاً من الثقافة السياسية الفلسطينية، لا سابقاً ولا الآن، لا في المنظمة والفصائل ولا في السلطة الوطنية. وعندما أراد حزب فدا تجربة استقالة الأمين العام، حول الاستقالة إلى مهزلة. استقال الأمين العام صالح رأفت، لتحلّ محلّة زهيرة كمال أمينةً عامّةً، أول امرأة تشغل المنصب في الساحة الفلسطينية، يا للهول! ولكن رأفت بقي الحاكم الفعلي للمجموعة المجهرية المحكومة بـ"الكوتا" المالية. بعد سنوات ملَّ الوضعَ، فعاد بقوة إلى الأمانة العامة بفوزه بانتخابات ساحقة في المجموعة المجهرية التي يقودها (!).
لا يمكن القول إن هناك ساحة عمل سياسي، بالمعنى الحديث والحقيقي للكلمة، من دون أن تكون الاستقالة جزءاً منها. فالأحزاب السياسية تحلّ مشاكلها عبر الحوار، وعندما لا تُحلّ، هناك مَن يجب أن يستقيل، وهو فعل سياسي عادي وضروري. وغير ذلك، تفقد الساحة بعدها السياسي، ويذهب العمل السياسي إلى بعد قبائلي. فالقائد الضرورة، عندما تتدخّل يد الله لإبعاده، نكتشف أن السماء لم تسقط على الأرض، وأن الحياة ما زالت تسير.
ليُتحفنا الرئيس محمود عبّاس باستقالة مستحقّة، بعد سنوات من انتهاء الصلاحية، ليختم بذلك حياته السياسية بمأثرة قد تعيد للسياسة بعض المعنى في الساحة الفلسطينية.

D06B868A-D0B2-40CB-9555-7F076DA770A5
سمير الزبن

كاتب وروائي فلسطيني، من كتبه "النظام العربي ـ ماضيه، حاضره، مستقبله"، "تحولات التجربة الفلسطينية"، "واقع الفلسطينيين في سورية" ، "قبر بلا جثة" (رواية). نشر مقالات ودراسات عديدة في الدوريات والصحف العربية.