جدوى مقاطعة الانتخابات في العراق
على بعد أسابيع من الاستحقاق الانتخابي، يبدو أنّ المزاج العراقي ما زال يسير في اتجاه المقاطعة لا المشاركة، بل إنّه مقارنةً بانتخابات عام 2021، صار أكثر اتساعاً. فالأسباب التي دفعت المقاطعين سابقاً زادت، وهناك حالة إحباط عامة من قدرة التصويت في الانتخابات على إحداث تغيير حقيقي في المشهد السياسي. قد لا نستطيع أن نجادل في هذه الأسباب، ومنها أنّ النظام السياسي يخسر مع مرور الزمن شرعيّته الجماهيرية، ويفرّغ النظام الديمقراطي من محتواه. لكنّ الاعتراض الممكن يتعلّق بالمقاطعة نفسها: فهل تغدو أداةً سياسيةً فعّالةً، أم مجرّد موقف لا مبالاة أو محاولة للهروب من مواجهة الاستحقاقات الوطنية؟
هناك جزءٌ لا بأس به من جمهور الناخبين يعيش حالة اللامبالاة المستمرّة منذ انتخابات عام 2005. هؤلاء موجودون حتى في أعتى الديمقراطيات، ويقاطعون عمليات الاقتراع من دون أن تكون المقاطعة بالنسبة إليهم موقفاً سياسياً، فهم غير مبالين بما يجري (لا أكثر)، أو يشعرون بأنّ هناك من ينوب عنهم في اتخاذ القرارات، أو أنّ أصواتهم لن تكون مؤثّرةً في كلّ الأحوال.
يكون الأمر غيرَ طبيعيٍّ أو مشكلةً حين يزداد عدد الداخلين تحت لافتة اللامبالاة ممّن يحقّ لهم التصويت، لأنّ ذلك يحيل على شكلٍ من أشكال "الاستقالة" السياسية الشعبية، وإلى حقيقة أنّ ماكينة الديمقراطية فشلت في تكوين جمهور مؤمن بها. وفي هذه الحالة، يكون المسؤول عن المشكلة النظام السياسي لا القطاعات الشعبية المُقاطِعة. يمكن الإقرار بأنّ هذه الحالة موجودة في عراق اليوم، فبجوار الجمهور اللامبالي، بالنسب المقبولة في أيّ نظام ديمقراطي، هناك نسبة أخرى انجرفت إلى اللامبالاة يأساً وإحباطاً وفقداناً للإيمان بالديمقراطية برمّتها. ولن تستعيد هذه الفئة إيمانها ما لم يتغيّر أداء (وسلوك) النظام السياسي بأكمله.
تبقى لدينا فئة المقاطعين الذين يعلنون موقفاً سياسياً صريحاً، ويعبّرون من خلال وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي عن مقاطعتهم، سواء كانوا أفراداً أو ناشطين أو مثقّفين أو تيّارات سياسية. يعلن هؤلاء المقاطعة احتجاجاً على أخطاء النظام السياسي وخطاياه. لا تقاطع هذه الفئة بدافع اللامبالاة، بل بدافع شدّة الإيمان بالديمقراطية كما يُفترض، والرغبة في إصلاح النظام، أو الضغط على السلطة لتقديم تنازلات تُعيد الثقة بالعملية الانتخابية. في هذه الخانة نجد اليوم ناشطين ومثقّفين وبعض الأحزاب الشبابية الناشئة، لكنّ أبرز المقاطعين هو التيّار الصدري، الذي اعتاد الوجود في الحلبة السياسية، وله دائماً ثقل، فتُوّج بفوزه بالمركز الأول مرّتَين (انتخابات مايو/ أيار 2018، ثمّ انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول 2021).
يدير التيار الصدري المقاطعة لعبةً سياسيةً، ويضغط بثقله الشعبي المنظَّم على الفاعلين في النظام السياسي، واضعاً إيّاهم في موقف الحيرة: فهل هو مقاطع فعلاً أم يستخدم ورقة المقاطعة لتعديل موازين الكتل البرلمانية المقبلة؟
وحتى اللحظة، فإنّ احتمالات استخدام الصدريين هذه الورقة واردة جدّاً، فحتى إن لم يدفعوا جمهورهم إلى التصويت لقائمة محدّدة، يمكنهم توجيه الماكينة الانتخابية الصدرية نحو أفراد معيّنين، قد يكونون مستقلّين أو وجوهاً جديدة، ليكونوا لاحقاً مدينين بصعودهم إلى البرلمان للأصوات الصدرية. ما عدا هذا النوع من المقاطعة الصدرية غير المحسوم، فإنّ الأطراف الأخرى لا تضع المقاطعة ضمن منهجٍ لعملٍ سياسيّ منظَّم، بل تتعامل معها انسحاباً من الساحة فحسب، أو نوعاً من تسجيل موقف "أخلاقي" تجاه عبث المشاركة في انتخاباتٍ لن تحدث فارقاً. وهو استنتاج يصعب الردّ عليه، لكنّه، في الوقت نفسه، لا يحرّك ساكناً.
الأحزاب الكبرى الحالية، سيّما الشيعية منها، تريد مشاركةً واسعةً لأنها تخشى خسارة مقاعد في المناطق المختلطة لصالح "السُّنّة". أمّا في المناطق ذات الغالبية الطائفية الصافية، فهي تعرف أنّها ستحصل على حصّتها من المقاعد بفضل جمهورها الزبائني الذي كوّنته ورعته عبر الوظائف والامتيازات. قد تجلب المشاركة الواسعة، المشكوك في حصولها حتى الساعة، نوعاً من الطمأنينة لهذه الأحزاب تجاه خسارة مقاعدها في المناطق المختلطة، لكنّها في الوقت ذاته مشاركة مقلقة، لأنها قد تربك أحجام أحزاب السلطة في البرلمان المقبل.