جعفر توك وإثارة الغضب
لقطة شاشة من حلقة "حقوقي كامرأة.. أين هي؟" ضمن برنامج "جعفر توك"
ثارت ثائرة نشطاء وناشطات في الأردن على مواقع التواصل الاجتماعي، إثر بث حلقة من برنامج "جعفر توك" الذي يقدّمه من ألمانيا الإعلامي اللبناني، ألماني الجنسية، جعفر عبد الكريم، عنوانها حقوقي كامرأة، تناولت، بقدر كبير من المهنية والموضوعية، قضايا متعلقة بالقوانين التمييزية ضد المرأة في المنطقة العربية، ولم تخصّ الحلقة بلداً عربيّاً بعينه، بل حاولت أن تغطّي واقع معظم الدول العربية، لا سيما من القوانين المتعلقة بالجنسية، والتي تمنع المُواطنة من منح جنسيتها لأولادها الأجانب.
استضاف البرنامج ناشطاتٍ وحقوقياتٍ وإعلاميات منهن شابة علمانية تقيم في أوروبا، انتقدت مظاهر التمييز والظلم الواقع على النساء العربيات، وتطرّقت الى النصوص الدينية المتعلقة بالمرأة من طلاق وزواج وحضانة وميراث وغيرها من القوانين المتعلقة بحقوق المرأة القانونية. كما تناول الحوار قضايا حقوقية جزائية/ مدنية لا تقلّ حساسية، مثل العنف الأسري، وجرائم الشرف، والاغتصاب الزوجي. حاولت المُشاركة الأردنية، وهي ناشطة وإعلامية، الدفاع والتصدّي لتلك الطروحات الإشكالية بتوضيح بعض القوانين المنصفة للمرأة، غير أنها لم تكن متمكّنة من ناحية قانونية، ولجأت إلى إنكار كل الممارسات السلبية ضد حقوق المرأة الممكن رصدها بسهولة، إذا ما توخّينا الدقة والموضوعية والمواجهة الشجاعة مع الذات، وتجنّب المكابرة وتغطية الشمس بغربال بتجاهل الحقائق على الأرض ومحاولة رسم صورة وردية غير حقيقية عن واقع المرأة، غير أن غضب النشطاء لم يقارب القضايا القانونية والشرعية الخلافية التي تحتمل كثيراً من الجدل والنقاش والحوار المدني المتحضّر، بل بسبب تصريحٍ غير مسؤولٍ خرجت به عن سياق الحوار، انطوى على كثير من الانفعال والمبالغة والتعميم أدلت به الضيفة، حين قالت إنها أقامت في الأردن عشر سنوات، وكانت تتعرّض للتحرّش يوميّاً، فانبرى أولئك المتحمسون العاطفيون بالدفاع المستميت عبر عاصفة إلكترونية، لدحض التهمة الجائرة. وذهبوا بعيداً في الطهرانية والتبتل وادّعاء المثالية من دون تدقيق أو تمحيص، بل انطلاقاً من خبرات ذاتية، لعلها لم تتجاوز مناطق أرستقراطية محدّدة، لا تمثل أطياف المجتمع بأكمله.
وفي ردود هؤلاء على الفتاة، لجأ بعضهم إلى الشخصنة، ولم يوفروا للأسف إهانة أو كلمة بذيئة بحقها، حتى إن أحدهم بثّ مقطع فيديو، كي يدافع عن سمعة بلده، افتتحه بتحرّشٍ لفظي واضح وصريح تناول مظهرها، ما حقّق مقولة "كاد المريب أن يقول خذوني". وأرى أن الضيفة أخطأت، وأخذها انفعالها الى مغالطة التعميم، وإطلاق حكمٍ على مجتمع بأسره، فيما وقع مدافعون كثيرون في مطبّ الشخصنة والصراخ، وإطلاق الشعارات الكاذبة، والابتزاز العاطفي، واستنهاض الفزعة.
ومن منطلق مهنتي محامية، واجهت قضايا اعتداء كثيرة على المرأة، لعل التحرّش اللفظي على قبحه كان أبسطها. وثمّة حالات تحرّش تحدُث في الشوارع والأسواق وفي مواقع العمل. وكثيراً ما تلوّذ المرأة بالصمت درءاً للفضيحة. وقد حدث أن تعرّضت سيدة للتحرّش، وهي متعلقة بذراع زوجها، لكنها صمتت خوفاً عليه من التورّط في مشاجرة قد تودي بحياته.
من هنا، ليس منطقيّاً أو مُجدياً إنكار الظاهرة في المجمل، أو تحميل المرأة وزر انحطاط بعض الذكور وتوجيه اللوم إلى طريقة لباسها، فظاهرة التحرّش موجودة، وبشكلٍ متفاوتٍ في كل بقاع الدنيا، غير أن الإحصائيات وضعت دولاً عربية في المقدمة، وهذا متّفقٌ عليه، ولا يمكن إنكاره. ومن باب الإنصاف، لا بد من الاعتراف بأن الظاهرة في الأردن تشهد انحساراً كبيراً، بسبب العقوبات الرادعة التي نصّ عليها القانون، إضافة إلى حالة الأمن والاستقرار في الشوارع والأماكن العامة التي تنصّ معظمها على أن المكان للعائلات فقط.
ويتطلب التخلص، بشكل أكبر، من هذه الظاهرة المؤسفة، توفر درجة كبيرة من الرقي والوعي والحضارة لدى المواطنين، وأن يكف بعض الرجال عن عقلية الصياد، وتتخلى بعض النساء عن عقلية الطريدة.