حلُّ معضلة سلاح حزب الله ليس في بيروت

29 نوفمبر 2025

تشييع القيادي في حزب الله هيثم الطبطبائي في الضاحية الجنوبية لبيروت (24/11/2025 فرانس برس)

+ الخط -

المأزق الذي يواجهه لبنان بعد الإنذار الموجّه إلى حكومته بضرورة الانتهاء من عملية نزع سلاح حزب الله في نهاية الشهر المقبل (ديسمبر/ كانون الأول)، يعكس سياسة التجاهل والعمى السياسي التي تمارسها الإدارة الأميركية وإسرائيل في التعامل مع ملفّ نزع سلاح حزب الله، الذي يدور منذ أكثر من عام في حلقة مفرغة من النار والدمار والتهديد الإسرائيلي بحربٍ لم يشهد اللبنانيون مثلها من قبل. فتحميل القيادة السياسية والعسكرية في لبنان المسؤولية الحصرية لحلّ هذا الملفّ الشائك والمعقّد، والذي تدرك جميع الأطراف أنه ينطوي على مسألة أخرى أكبر، هي المسؤولية الإيرانية عن الملفّ، هو بمثابة خطيئة لا تُغتفَر.

في سياق الضغوط التي تُمارَس على لبنان يُلاحظ التنسيق وتوزيع الأدوار بين إسرائيل والأميركيين، تضغط إسرائيل، بتواطؤ أميركي، على لبنان من خلال القوة العسكرية، بواسطة الاغتيالات وأعمال القصف والتوغّل العسكري والاحتلال الدائم للنقاط الخمس، بينما تضغط الولايات المتحدة سياسياً ومالياً على لبنان. الطرفان مقتنعان بأن ضغوطهما على القيادة السياسية في لبنان ستؤتي ثمارها.

العلاقة العضوية بين الحزب والقيادة السياسية في طهران لطالما تفاخر بها علناً الأمين العام السابق للحزب حسن نصر الله

ومن الأمور المثيرة للاستغراب أنه في مقابل سياسة التجاهل للدور الإيراني في مسألة سلاح حزب الله، هناك إجماع إسرائيلي واسع النطاق بأن إيران هي المسؤولة اليوم عن إعادة بناء حزب الله قدراته العسكرية من جديد، يُضاف هذا إلى قناعة إسرائيلية، وأخيراً أميركية، بأن الحكومة والجيش اللبنانيين غير قادرَيْن بقواهما الخاصة على حلّ مشكلة سلاح حزب الله. فما الجدوى والحال هذه من الضغط على القيادة اللبنانية السياسية والعسكرية إذا كانت النتيجة معروفةً سلفاً؟ سؤال منطقي آخر: كيف يمكن أن يعتقد الأميركيون أن الضغط على رئيس الجمهورية جوزاف عون سيؤدّي، في نهاية المطاف، إلى إجباره على الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل؟ وكيف لم يتعلّم الأميركيون والإسرائيليون من درس اتفاق 17 أيار/ مارس (1983) بين لبنان وإسرائيل الذي لم يصمد؟ وكيف لم يتعلّموا الدرس بأن السلام "لا يُفرَض بالقوة" كما يتوهّمون؟

يعلم القاصي والداني أن حزب الله تنظيم شيعي اعتمد منذ نشأته بعد غزو إسرائيل لبنان عام 1982 على دعم طهران سياسياً وعسكرياً ومالياً. هذه العلاقة العضوية بين الحزب والقيادة السياسية في طهران لطالما تفاخر بها علناً الأمين العام السابق للحزب حسن نصر الله.

من جهة أخرى، سيؤدّي تشديد الضغط على القيادة اللبنانية فقط إلى مفاقمة الوضع تأزّماً. إذ ليس من السهل عليها الاعتراف بأنها غير قادرة على نزع سلاح حزب الله بالقوة، وخلال الفترة القصيرة المطروحة. ناهيك بأن دعوات رئيس الجمهورية إلى التفاوض مع إسرائيل ظلّت كلّها غامضةً، لأنها لم تحدّد بوضوح طبيعة هذا التفاوض، مباشر أو غير مباشر. وفي جميع الأحوال، قوبلت هذه الدعوات كلّها بتجاهل إسرائيلي واضح ووقح.

لا يمكن لأيّ عاقل أن يقتنع بأن الأميركيين سينجحون من خلال ضغوطهم في فرض سلام بالقوة بين إسرائيل ولبنان. فهذه عملية محكوم عليها بالفشل مسبقاً

على الرغم من وعي القيادة السياسية في لبنان بأهمية دور طهران في التوسّط من أجل حلّ مشكلة سلاح حزب الله، إلا أن الضغوط الخارجية عليها من دول عربية وغربية، وخصوصاً من الولايات المتحدة، تجعل أيَّ محاولة لبنانية رسمية لفتح حوار مع طهران في هذا الشأن محفوفةً بالمخاطر. في المقابل، يحول أكثر من سبب دون أن يفكّر الإسرائيليون والأميركيون في احتمال فتح حوار مع طهران بشأن حزب الله. في طليعة هذه الأسباب أن أيَّ حوار مع طهران يُضعف بشدّة الموقف الإسرائيلي إقليمياً، ويجعل الكلام عن توجيه ضربة قاصمة لحزب الله، وكسر محور إيران في المنطقة، وإضعاف نفوذها في لبنان، مبالغاً فيه وغير دقيق. وهناك سبب آخر للتجاهل الأميركي والإسرائيلي لإيران، فرض عزلة سياسية عليها وضرب مكانتها في المنطقة وإضعافها وإبقاؤها تحت تهديد شبح تجدّد الحرب ضدّها في أيّ وقت. وأيضاً عدم اتضاح نتائج حرب الـ12 يوماً الإسرائيلية - الإيرانية، رغم المحاولات الإسرائيلية في تعظيم نتائجها، سواء بالنسبة إلى مستقبل البرنامج النووي الإيراني أو إلى مستقبل النظام في طهران. تُضاف إلى ذلك الرغبة الإسرائيلية الكبيرة في منع عودة المفاوضات مع إيران بشأن اتفاق نووي جديد. وأيُّ حوار سياسي مع طهران يمكن أن يظهرها عاملَ استقرار في المنطقة تعارضه إسرائيل بشدّة.

لا يمكن لأيّ عاقل أن يقتنع بأن الأميركيين سينجحون من خلال ضغوطهم في فرض سلام بالقوة بين إسرائيل ولبنان. فهذه عملية محكوم عليها بالفشل مسبقاً. المطلوب اليوم أفكار مبتكرة، ومن "خارج الصندوق"، لحلّ معضلة سلاح حزب الله ومنع الانزلاق إلى دوّامة حرب جديدة ودموية وعبثية ومدمّرة في لبنان. وقد يكون السبيل من أجل فتح كُوّة في الحائط المسدود في لبنان هو التفكير في التحاور مع طهران اليوم قبل الغد، وطرح إمكانية وساطة إيرانية، على شاكلة الوساطة القطرية في المفاوضات مع حركة حماس أو الوساطة المصرية، تنقذ لبنان من حرب محتومة، وتُخرج إسرائيل من أوهام جنون العظمة والاستقواء، والإدارة الأميركية من الغطرسة، ومن أكذوبة أن في وسعها أن تفرض السلام بالقوة.

رندة حيدر
رندة حيدر
رندة حيدر
كاتبة وصحافية لبنانية متخصصة في الشؤون الإسرائيلية
رندة حيدر