حين يعجز الروائي عن تسمية القاتل

05 ديسمبر 2025

أمين معلوف يتحدث في حفل تسلمه جائزة في غوادالاخارا بالمكسيك (29/11/2025 فرانس برس)

+ الخط -

طوال عامين من الإبادة، لم يتخذ أمين معلوف موقفاً واضحاً مندّداً بها في غزّة، رغم أن مثقفين فرنسيين فعلوا ذلك، وغيّروا وِجهات نظرهم حين خفَّت الغشاوة التي وضعها الغرب أمام أعينهم، وأشاروا إلى بشاعة ما ترتكبه إسرائيل صراحة لا تلميحاً. لكن معلوف، بعد كل ما حدث، اكتفى بالقول إنه هو الذي "نشأ مع الصراع، لا يرى حلاً في القريب العاجل"، مضيفاً "ربما اقتربنا من الحل ثلاث أو أربع مرّات، لنبدأ العيش بسلام وكرامة، لكن ذلك تحوّل إلى خيبة أمل. في الوقت الحالي، لا أرى أي حل، وربما لن نصل إلى حل". لكن الغريب أنه مع تحدّثه باسم من ينتمي مباشرة إلى الأرض المنكوبة، تفادى الإشارة إلى العدو.

وجهة نظره هذه عبّر عنها قبل أيام، في حفل تسلّمه جائزة اللغات الرومانسية في المكسيك، خلال فعاليات معرض غْوادالاخارا، مؤكّداً في السياق العام أن العالم مخيف... والله؟ ولكن لماذا؟ لا يمكن أن يكون بسبب جرائم إسرائيل، حاشا فهو لم يذكر اسمها خلال العامين، بل لخطورة الذكاء الاصطناعي وتغلغل التكنولوجيا في صميم حياتنا، فدعا إلى "اليقظة" و"الشعور بالمسؤولية"، لأن التقنيات الجديدة "تُهدد السلامة الجسدية والعقلية للبشرية، أو حتى بقاءها". ... نعم، عزيزنا الروائي المفكّر، لننسى خطر الوحش البشري، الذي يفتك بالبشر اليوم في أماكن متعدّدة، وننشغل بوحش اصطناعي يهدّد بالسيطرة على البشر مستقبلاً. ماذا فعل البشر بالبشر حتى يفوقَهم الذكاء المشتبه به؟ هل يُحوّلهم إلى خدم له وأدوات بدل أن يكون هو الأداة؟ لم لا؟ طالما أن الإنسان يفعل ذلك منذ أول التاريخ، ويتحوّل بعض البشر إلى وحوشٍ من تلقاء أنفسهم أو بقيادة بشر آخرين.

هناك فرق بين الحديث عن حدثٍ تاريخي مرّت عليه العقود والقرون بمنطق فكري محايد، والتعليق على إبادة متوحّشة إبان حدوثها، حيث لا يمكن تجنّب الإعلان عن موقف أخلاقي واضح وإنساني بديهي ضدها. قبل اليوم، كتب معلوف تعليقاً مقتضباً على منصة إكس، قال فيه إن "الإبادة الجماعية في غزّة تُضعِف السلطة الأخلاقية للولايات المتّحدة، وتُشوّه صورة الدول الغربية". بلا أي إشارة إلى الكيان مرتكب الإبادة. وظل محللاً لموازين القوى في المناسبة الثالثة، وهي حوار له مع "فرانس 24" سُئِل فيه عن غزّة، وعلق بقبعة المحلل الاستراتيجي الذي يُدرِِج الحرب في سياق الصراع بين الغرب وروسيا وإيران. مع أنه كان مستحيلاً على نسبة هائلة من ساكنة الأرض غض النظر أو اتخاذ موقف مهادن مع الإبادة، بل حتى الحديث عن الآثار النفسية للإبادة على نفوسنا فيما تدمّرت إلى الأبد نفسية الناجين من الإبادة، أمر يشعر الإنسان بمزيدٍ من العار. بعد هذا كله، يأتي أمين معلوف ليخبرنا بأن العالم مخيف وعلينا الحذر.

وقبل أن يكون العالم "مخيفاً أحياناً" في نظر معلوف، فهو "الأكثر إثارة" في التاريخ. بالضّبط نتفق معه، والدليل أن الإنسان الحالي يشعر كأنه يعيش في لعبة إلكترونية يُطلَق عليه النار فيها، لأنه موجود في طريق اللاعب. فقط لا غير. لأنه من أجل الفوز، على اللاعب أن يقضي على كل الكائنات في طريقه. لا تأنيب ضمير ولا ندم في اللعب، فهو "مجرّد لعب". بهذا المنطق، هي فعلاً فترة تاريخية مثيرة، بينما بمنطق حقيقي هي فترة أخرى في سلسلة البؤر السوداء في تاريخ البشرية. والتكنولوجيا أو المستويات الحضارية التي وصلت إليها حياة الإنسان مجرّد تفاصيل تقنية. الأهم هو نفسه، وإلى أي درجة بلغ به الانحطاط الأخلاقي.

المفارقة أن لجنة تحكيم الجائزة أشادت بمجموع أعمال أمين معلوف، لقدرتها على "استكشاف تصدُّعات العالم الحديث وتهجيناته بوضوح". ولكن عندما تتجلى أفدح مظاهر التهجين الأخلاقي في وجهة نظر الغرب إلى الإنسانية، من خلال نموذج واحد صارخ، ولا يمكن التلميح له، لا تعليق. رغم أن معلوف وضع يديه في أكثر من كتاب على تناقضات الإنسان، ولكن عندما برزت التناقضات في شكلها الأقبح تجاهلها وفات مبضعُه الجراحي تشريحها.

لماذا أنت لم تعد أميناً يا أمين؟

عائشة بلحاج
عائشة بلحاج
عائشة بلحاج
رئيسة قسم الثقافة في "العربي الجديد"، صحافية وشاعرة مغربية.
عائشة بلحاج