خوف أم هزيمة؟
(صفوان داحول)
"هل هزمك الخوف أم أخافتك الهزائم؟"... سؤالٌ ألقته الراحلة رضوى عاشور في روايتها "أطياف"، فاستقرّ في الوجدان كجملةٍ من تلك التي لا تُقرأ فحسب، بل تُسكن القلب لتظلّ تُحادثه في العتمة. جملةٌ قصيرة، لكنها تفتح باباً طويلاً من التأمّل، باباً على الذات، حين تواجه نفسها بلا زيفٍ ولا تبرير. لا أحد ينجو من هذا السؤال حقّاً، لأنه يعيد ترتيب ما نظنه يقيناً حول الشجاعة والخوف، وحول معنى الهزيمة ذاتها.
الخوف، هذا الكائن الخفي الذي يسكننا بصمتٍ ويقود خطواتنا من وراء ستار، لا يظهر بوجهه الحقيقي أبداً. يتسلّل في هيئة حذرٍ مشروع، أو واقعيةٍ حكيمة، حتى نكتشف أنه أمضى عمره ينقّب في أرواحنا عن نقاط الضعف، ليبني فيها أسواره المحكمة. يبدأ همساً: "تريّث"، "انتظر"، "ليس الوقت مناسباً بعد"، ثم ينتهي حكماً قاطعاً بأن الأمان أولى من المجازفة. وهكذا يربح الخوف الجولة من دون أن يخوض المعركة.
أما الهزيمة، فهي الوجه الصادق للحياة، الوجه الذي لا يتزيّن، لأنها تأتي بعد الفعل، بعد أن يجرّب المرء، ويضع قلبه في مغامرةٍ ما. الهزيمة لا تخدع أحداً، فهي دليل على أنك حاولت، وأنك وقفت على حافة المجهول ولم تفرّ. إنها مرآةٌ قاسية لكنها صادقة، تُريك ما أنت عليه حقّاً لا ما تتظاهر به.
الفرق بين الخوف والهزيمة أن الأولى تمنعك من التجربة، والثانية تمنحك درسها بعد أن تعيشها. الخوف يجمّدك في مكانك، أما الهزيمة فتهزّك لتذكّرك أنك حيّ، وأن فيك شيئاً لا يزال يقاوم. من يخاف لا يعرف شكل العالم خارج أسوار نفسه، ومن يُهزم يعرفه جيّداً، لأن عينيه رأتا ما وراء الجدار، وإن عادتا دامعتين.
كم مرةٍ أخّرنا خطوة لأن الخوف كان أسرع من رغبتنا؟ كم مرةٍ خنقنا فكرةً قبل أن تولد، خشيةَ أن تُرفض أو يُساء فهمها؟ كم مرةٍ خبّأنا حبّاً في الظلّ، لأننا خفنا من نهايته؟ نحن لا نخشى العالم بقدر ما نخشى أنفسنا ونحن نواجه ضعفنا. نرتعب من صورة المرء المكسور في دواخلنا أكثر من ارتعابنا من الهزيمة ذاتها. ولهذا نسكت، ونتراجع، ونتقن تبرير العجز بكلماتٍ متقنة ومقنعة.
والهزائم، رغم مرارتها، أكثر إنصافاً من الخوف. لأنها تمنحنا اللغة، وتُعيد إلينا الحسّ بالزمن، وتكشف لنا حدودنا الحقيقية. الهزيمة لا تُمحى، لكنها تتحوّل، مع الوقت، إلى ذاكرةٍ ناعمة، إلى درسٍ يشبه الأثر على الجلد؛ لا يؤلم حين تلمسه، لكنه يذكّرك بما حدث.
الخوف لا يعلّم، بل يسرق منك فرصة أن تتعلّم. إنه الغياب في هيئة حضور، والفراغ في هيئة امتلاء. تراه في الوجوه التي لا تجرؤ على النظر إلى المرآة، في الأصوات التي تتردّد قبل أن تنطق، في الأحلام المؤجَّلة إلى أجلٍ غير مسمّى. إنه الصمت الذي يبتلع المعنى قبل أن يولد.
أما الذين واجهوا الهزائم، فهم أولئك الذين عرفوا أن الحياة ليست سباقاً نحو الكمال، بل نحو الفهم. من تذوّق مرارة السقوط صار يعرف طعم النهوض. ومن اختبر الانكسار لم يعد يخافه، لأن ما كان مجهولاً صار معروفاً، وما كان مخيفاً صار مألوفاً.
ولعلّ هذا ما أرادت رضوى عاشور أن تبوح به في سؤالها الموجع. أن الخوف هو الهزيمة قبل الهزيمة، وأن المرءَ لا يُهزم حين يسقط، بل حين يرفض أن يقوم. فالهزيمة التي تأتي بعد الفعل يمكن تحويلها إلى معرفة، أما التي تأتي من الخوف فهي خسارة بلا مقابل، لأنها تُطفئ المعنى قبل أن يولد.
لقد تعلّمتُ أن الشجاعة ليست غياب الخوف، بل السير رغم وجوده. أن تقول لنفسك: نعم، أنا خائف، لكنني سأتقدّم خطوة أخرى. ففي كل خطوةٍ كهذه، يتحوّل الخوف إلى ذاكرة، لا إلى واقع. نُدخله أرشيف التجارب، ونتجاوزه بشيءٍ من الوعي والاعتراف والضحك المرّ أحياناً.
الهزيمة لا تُنهي المرءَ، بل تُعيد تكوينه. والخوف لا يمنع الموت، بل يمنع الحياة. لهذا، حين يتبدّل موقع الخوف من القلب إلى الذاكرة، نكتشف أننا لم نُهزم، بل عبرنا، وأن كل ما ظننّاه سقوطاً كان في الحقيقة تدريباً على النهوض.
فهل هزمك الخوف، أم أنك كنتَ شجاعاً بما يكفي لتخاف وتواصل السير؟