ديماش... صوت خارق بلا شخصية

05 ديسمبر 2025

المغني الكازاخستاني يتحدث إلى معجبين بصوته في لندن (4/6/2025 Getty)

+ الخط -

لم أكن قد سمعتُ بديماش (31 عاماً)، حين تلقيت دعوة من صديق لحضور حفل له في الأهرام في الجيزة. وافقت بسرعة، طبعاً، ليس فقط لأن "غوغل" أعطاني معلوماتٍ مذهلة عنه، أيضاً لأن لحفلات الأهرام طابع أسطوري، كما لو أن التاريخ المقيم يحتضن الحاضر الزائل. ثمّة فكرة فلسفية هنا أكثر من الفكرة السياحية والترفيهية. ينتمي الكازاخستاني، ديماش كودايبرغن (مصنّف أقوى صوت في التاريخ البشري)، إلى زمن السرعة والإبهار والإنجاز الآني، زمن الدهشة التي لا عُمق لها، دهشة سطحية تسبّب سعادة لحظية تختفي بعد حين. زمن منصّات السوشال ميديا، حيث التفاصيل مضخّمة وسريعة، وقد تكون مذهلة إلى حد تبدو كما لو أنها وصلت إلى حد الكمال، لكنها لا تؤسّس لشيء، لا تستطيع خلق جذور لها في الذاكرة البشرية، لا تترك أثراً في الوجدان البشري العميق، هي مرهونة بلحظتها، ولحظتها عابرةٌ إن التفت إلى الخلف فلن تجدها إلا ظلالاً تأكل من حجمها حتى تختفي عن الوجود.

يغني ديماش بلغات عدة تصل إلى 11 لغة (العربية ليست منها). غنى في حفل الأهرام بست لغات، غير الكازاخية التي قدم فيها أجمل ما في الحفل الممتد ساعتين ونصف الساعة، من دون توقف إلا دقائق قليلة لتبديل الأزياء. وقدّم أيضاً استعراضاتٍ صوتية مذهلة، حيث يصل صوته إلى حد سبعة أوكتاف، وهو ما لم يحدُث في التاريخ البشري سابقاً، استعرض أيضاً قدراته الموسيقية، وعزف على عدّة آلات، واستعرض لياقته البدنية في رقص البوب، واستعرض موهبته في التأليف والشعر (بالنسبة لي كانت بعض قصائده المترجمة إلى الإنكليزية عبر شاشة ضخمة أجمل ما لديه بعد صوته الخارق). هذا شابٌّ يشبه المعجزة حقاً، شابٌّ كأنه لم يخلق من الطين مثل باقي البشر، بل من الموسيقا، صوته سلم موسيقي كامل، أو ربما تجاوز حتى السلم الموسيقي في قدراته وتقنياته الفريدة. غنّى في الحفل أوبرا وبوب ورومانس وأغانيَ شعبية كازاخية واستعراضات صوتية تقنية تنتقل فجأة من أعلى الطبقات حتى أخفضها من دون أن يخدش صوته ولو ثانية.

كان الحفل مدهشاً في كل ما فيه، وشخصيته تبدو محبّبة وقريبة من الناس، لكني لا أعرف لماذا خرجت من الحفل ولدي إحساسٌ بالخواء، على عكس طبيعتي مع الموسيقى والغناء. عادة ما تمتلئ روحي بالشغف، حين أعجب بصوت أو موسيقا ما، فكيف بصوت تجاوز الكمال فعلاً؟ لكن هذا الكمال كان ينقصه الروح الشخصية، تنقصُه الخدوش التي تشعل العاطفة، هو الكمال بعينه، لكنه بلا هوية أصيلة، بلا رؤية، هو قادرٌ على أداء أي نوع من الغناء في العالم، بل يتجاوز ذلك إلى أداءات غير موجودة، لكنه بلا ذلك النقش الذي يختصّ به وحده، صوتُه خالٍ من العيوب، خالٍ من التشقّقات الإنسانية التي تجعلك تتعاطف وتنزعج وتكره وتحب. مع صوته، لا مجال سوى لحالة واحدة: الانبهار الكامل بالتقنية الخارقة، لكن هذه التقنية لا تخدم شيئاً غير نفسها، ليس لديها حكايتها الذاتية لتظهرها، كل ما حولها يحدُث لخدمتها، لا العكس، هذا مُبهر جداً لكن الإبهار يذهب بعد لحظة، بينما الحكاية تبقى، صوته لم يعرف بعد أن يقدّم حكايته الشخصية. لهذا ربما هو لا يعلق بالقلب، ولا يبقى منه في الذاكرة ما يمكن استعادته بعد حين.

يبدو مشروع ديماش مبنياً للخارج من دون الاعتناء بالداخل الإبداعي الذي يحتاج إلى تجربة إنسانية تتوازى مع الاستثناء في المقدرة والتقنية، مشروعه للانتشار السريع، هو يغنّي بلغات عدة، كي يصل إلى أكبر عدد من الجمهور في العالم، لأنه لم يملك بعد بصمة فنية خاصة به. فيروز مثلاً لم تغن سوى بالعربية، لكنها وصلت إلى كل العالم. مثلها خوليو إكليسياس وأم كلثوم وإديث بياف. هؤلاء جميعاً غنّوا من عمق تجاربهم الذاتية وأضاؤوا المعنى الوجودي في الموسيقى والصوت، رغم أن أصوات بعضهم لم تصنّف ضمن أي "أوكتاف". يحتاج الفن الحقيقي إلى أكثر من الإبهار، يحتاج إلى عتمة روح تنتج معنى إنسانياً، يحتاج إلى صوت ديماش الخارق هذه العتمة كي يتحول من سلم موسيقي إلى صوت إنسان.

BF005AFF-4225-4575-9176-194535668DAC
رشا عمران

شاعرة وكاتبة سورية، أصدرت 5 مجموعات شعرية ومجموعة مترجمة إلى اللغة السويدية، وأصدرت أنطولوجيا الشعر السوري من 1980 إلى عام 2008. تكتب مقالات رأي في الصحافة العربية.